تحتاج شركات التكنولوجيا إلى حجز كهرباء الغد اليوم. فالتوسع في مراكز البيانات يتطلب محطات وشبكات تبدأ تكلفتها قبل وصول العملاء وتشغيل الخوادم. وبين قرار البناء وأول فاتورة كهرباء، يبقى سؤال حاسم: من يضمن للممول أن الطلب المتوقع سيتحول إلى إيرادات؟
هذا هو التحدي الذي تضعه دعوة عبدالمنعم الكندي، رئيس معرض ومؤتمر أديبك 2026، إلى الاستثمار الاستباقي في الطاقة أمام القطاع. فالكندي يؤكد أن «أمن الطاقة هو أساس الاستقرار الاقتصادي»، ويدعو إلى ضخ الاستثمارات قبل تصاعد الطلب، مع تنويع الإمدادات وتعزيز البنية التحتية والتكنولوجيا.
ويجمع أديبك، المقرر من 2 إلى 5 نوفمبر في مركز أدنيك أبوظبي، قيادات الطاقة والتكنولوجيا والتمويل والصناعة. ويمنح اجتماع هذه الأطراف فرصة لمناقشة كيفية تحويل احتياجات مستقبلية إلى مشاريع يستطيع المستثمرون تمويلها الآن.
لماذا يسبق التمويل الاستهلاك بسنوات؟
يتحرك الاقتصاد الرقمي بسرعة تختلف عن سرعة بناء منظومة الكهرباء. فقد يستغرق إنشاء مركز بيانات سنة إلى ثلاث سنوات، بينما يمتد التخطيط لشبكات جديدة وترخيصها وإنجازها إلى ما بين خمس و15 سنة.
هذا الفارق يجعل الانتظار مكلفًا. فإذا لم تبدأ الاستثمارات مبكرًا، قد تصل الخوادم قبل الكهرباء اللازمة لتشغيلها. لكن البدء المبكر يتطلب تقديرًا لما سيحتاجه العملاء بعد سنوات، وحجم القدرة التي سيستخدمونها فعلًا.
وتتوقع وكالة الطاقة الدولية ارتفاع استهلاك مراكز البيانات للكهرباء من 485 تيراواط ساعة في 2025 إلى نحو 950 تيراواط ساعة في 2030. يشمل الرقم مراكز البيانات عمومًا، بينما تتوقع الوكالة تضاعف استهلاك المراكز المخصصة للذكاء الاصطناعي ثلاث مرات خلال الفترة نفسها.
هذه التوقعات تبرر الاستعداد، لكنها لا تضمن إيرادات مشروع بعينه. فالطلب في موقع محدد يتأثر بموعد تشغيل مركز البيانات، وسرعة ملئه بالخوادم، وقدرة مالكه على مواصلة تمويل التوسع.
العميل يساعد على تمويل المحطة
تمنح عقود شراء الكهرباء طويلة الأجل المطور والممول رؤية أوضح للإيرادات المقبلة. فعندما تلتزم شركة كبيرة بشراء إنتاج مشروع وفق شروط محددة، يصبح تقييم قدرته على سداد تكلفة البناء أسهل من الاعتماد على توقع عام بارتفاع الطلب.
ولا يعني ذلك أن العميل يدفع كامل تكلفة المحطة مقدمًا. يمكن أن يأتي التمويل من البنوك والمستثمرين، بينما يساعد التزام الشراء في تأمين التدفقات النقدية التي يستند إليها قرار الإقراض.
يظهر هذا المسار في الاتفاق الإطاري الذي أعلنته مايكروسوفت وبروكفيلد في مايو 2024، ويستهدف تطوير أكثر من 10.5 غيغاواط من قدرات الطاقة المتجددة الجديدة في الولايات المتحدة وأوروبا بين 2026 و2030. الرقم يمثل نطاق تطوير مستهدفًا، وليس قدرة أُنجزت بالكامل عند توقيع الاتفاق.
وفي فبراير 2026، أعلنت مايكروسوفت أنها تعاقدت منذ إعلان التزاماتها المناخية في 2020 على 40 غيغاواط من إمدادات الطاقة المتجددة الجديدة في 26 دولة. كان 19 غيغاواط منها قد دخل الخدمة وقت الإعلان، مع توقع تشغيل الباقي خلال السنوات الخمس التالية.
يوضح الفارق بين المتعاقد عليه والتشغيل الفعلي كيف يسبق شراء الطاقة وصولها إلى الشبكة. وبالنسبة إلى الشركة، يساعد هذا الحجز المبكر على دعم توسعها؛ وبالنسبة إلى المطور، يوفر عميلًا يمكن البناء على احتياجاته.
من يتحمل التكلفة إذا تغيرت الخطط؟
عندما تُبنى أصول لخدمة عميل ضخم، تصبح شروط التعاقد جزءًا من أمن الاستثمار. فالمحطة وخط النقل سيبقيان قائمين حتى إذا تباطأ نمو العميل أو عدّل حجم مشروعه.
لهذا تمتد المفاوضات إلى مدة العقد، والضمانات، والتزامات الدفع، وتكلفة الانسحاب المبكر. وتحدد هذه البنود مقدار الخطر الذي يتحمله العميل أو شركة الكهرباء أو بقية المشتركين.
في مارس 2026، أعلنت «إنتيرجي» الأمريكية أن اتفاقاتها مع عملاء مراكز البيانات تتضمن أدوات مثل الدفعات المقدمة، والعقود الممتدة لسنوات، والضمانات الائتمانية، وغرامات الإنهاء المبكر. وتهدف هذه الشروط إلى حماية العملاء الحاليين من تحمل تكاليف البنية المطلوبة لخدمة الوافدين الجدد.
وفي الشهر نفسه، أعلنت «إنتيرجي لويزيانا» اتفاقًا إضافيًا مع ميتا، صُمم لتحميل الشركة كامل تكلفة خدمتها. وتشمل خطة البنية التحتية المرتبطة به توليدًا ونقلًا وتخزينًا للكهرباء، على أن تتحمل ميتا تكاليفها وفق الإعلان.
وتكشف هذه الترتيبات تحولًا في العلاقة بين الطرفين: يصبح عميل الكهرباء الكبير شريكًا في تحمل الالتزامات التي تسمح ببناء الإمدادات المستقبلية. أما حماية بقية المستهلكين فتتوقف على تفاصيل العقود والرقابة التنظيمية وتنفيذ الالتزامات.
ما الذي يجعل الاستثمار المبكر قابلًا للتنفيذ؟
يبقى تقدير الطلب قابلًا للتغير مع تحسن كفاءة الحوسبة وانتشار استخدامات جديدة أكثر استهلاكًا للطاقة. لذلك يحتاج الاستثمار المبكر إلى خطط يمكن تنفيذها على مراحل، وتبادل بيانات أوضح بين مطوري مراكز البيانات ومشغلي الكهرباء.
ويتسق ذلك مع دعوة الكندي إلى الجمع بين رأس المال والتكنولوجيا والقدرة على التنفيذ. فتنويع مصادر الطاقة وتعزيز البنية التحتية يحتاجان أيضًا إلى تحديد المشتري، والتزاماته، والجهة التي تتحمل تكلفة التأخير أو تغير الاحتياجات.
وفي أديبك 2026، ستكون العقود القابلة للتمويل ومواعيد التسليم المحددة من أهم التفاصيل التي تستحق المتابعة في أي شراكات تُعلن. فالاستثمار قبل وصول الطلب يصبح أكثر قابلية للتحقق عندما يستطيع الممول أن يرى، إلى جانب المحطة المزمع بناؤها، عميلًا مستعدًا للالتزام بشراء طاقتها.




