تنتج بريطانيا معرفة أكثر مما تنجح في تحويله إلى وزن صناعي عالمي. فبين الجامعات والمختبرات من جهة، والمصانع والصادرات من جهة أخرى، توجد حلقة تتطلب تمويلًا للتوسع، وعمالة ماهرة، وطاقة بتكلفة تنافسية. وعندما تضعف هذه الحلقة، يستطيع البلد ابتكار التكنولوجيا بينما تذهب حصة أكبر من إنتاجها وعوائدها إلى اقتصادات أخرى.
تظهر المفارقة في مسارين متعاكسين: ارتفع عدد المنشورات العلمية لكل ألف نسمة بنحو 40% بين 2007 و2022، بينما انخفضت حصة المنتجات عالية التقنية من إجمالي الصادرات البريطانية، السلعية والخدمية، من 8.7% إلى 6.4%. قوة البحث تظل أصلًا مهمًا، لكن أثرها الاقتصادي يتوقف على قدرة الشركات على تطوير منتجات قابلة للبيع وإنتاجها على نطاق واسع.
أين فقدت بريطانيا حصتها؟
تراجعت حصة المملكة المتحدة من القيمة المضافة للتصنيع العالمي من 3.1% عام 2000 إلى 1.9% عام 2022. وتقيس القيمة المضافة ما يضيفه النشاط الإنتاجي إلى الاقتصاد بعد خصم المدخلات الوسيطة. بهذا المقياس، تقلص موقع بريطانيا داخل الإنتاج الصناعي العالمي خلال أكثر من عقدين.
وكان التراجع أوضح في التجارة: انخفضت حصتها من صادرات التصنيع العالمية من 3.7% عام 2000 إلى 1.5% عام 2020. أي إن حصتها فقدت أكثر من نصف مستواها السابق، في سوق توسعت فيه قدرات المنافسين.
وامتد الانحسار إلى مجموعة مختارة من عشر صناعات متقدمة، تشمل الأدوية ومعدات النقل والإلكترونيات، وكذلك خدمات تكنولوجيا المعلومات. فقد هبطت حصة بريطانيا من قيمتها المضافة عالميًا من 4.4% إلى 2.6% بين 2000 و2020. وبرز تراجع الحصص التصديرية في الأدوية ومعدات النقل الأخرى، التي تضم الطيران والسفن والسكك الحديدية.

تصف هذه الأرقام تحولًا في توزيع الإنتاج والتجارة بين الدول. فقد ارتفعت حصة الصين من القيمة المضافة للتصنيع العالمي من 6.4% إلى 31% بين 2000 و2022، بينما تراجعت حصة مجموعة السبع من 56% إلى 33%. وتواجه بريطانيا، داخل هذا التحول، تحدي الحفاظ على موقعها في الأنشطة التي تمتلك فيها خبرة علمية وصناعية طويلة.
ما الذي ينقص الطريق من المختبر إلى المصنع؟
يتطلب الانتقال من فكرة ناجحة إلى إنتاج تجاري عملًا مختلفًا عن البحث نفسه: اختبار المنتج، وتحسين الاعتمادية، وتصميم عملية الإنتاج، وتجهيز خطوط التصنيع والموردين. نجاح التجربة الأولى يفتح هذه المرحلة، ثم تحتاج الشركة إلى المال والخبرة والوقت حتى تتمكن من تسليم منتج بصورة منتظمة ومربحة.
وتكشف بنية الإنفاق البريطاني جزءًا من الفجوة. ففي 2022 ذهب 14% من إنفاق الشركات على البحث والتطوير إلى البحث الأساسي، مقابل 50.9% للتطوير التجريبي، الذي يشمل العمل على منتجات وعمليات جديدة أو محسنة. وتبرز هنا أهمية تمويل المراحل القريبة من الاستخدام التجاري، إلى جانب الحفاظ على القاعدة العلمية.
كما يظهر القيد في التوظيف. ففي مسح عام 2025، أفاد 76% من أصحاب العمل الذين يوظفون في مجالات الهندسة بصعوبة العثور على أشخاص يمتلكون المهارات المطلوبة. الشركة التي تستطيع تمويل المعدات تحتاج أيضًا إلى من يصمم العملية ويشغلها ويطورها.
لماذا يبحث التوسع عن المال في الخارج؟
ترى لجنة العلوم والتكنولوجيا في مجلس اللوردات أن صعوبة الحصول على تمويل محلي في المراحل المتقدمة تدفع شركات واعدة إلى البحث عن مستثمرين وأسواق إدراج خارج بريطانيا. وتحذر من انتقال جانب من فرص العمل والعوائد الضريبية إلى الخارج عندما يتبع التوسعُ التمويلَ إلى أسواق أخرى.
تحتاج الشركة الصناعية إلى استثمارات كبيرة قبل أن تحقق مبيعات مستقرة. فالمصنع يسبق الإيراد، وتجربة العميل قد تسبق الطلبية التجارية بوقت طويل. وكلما طالت هذه المسافة، ازدادت أهمية المستثمر القادر على انتظار العائد وتحمل مخاطر التوسع.
وتلفت اللجنة أيضًا إلى قيمة العقود المبكرة: وجود عميل يشتري المنتج يمنح الشركة إيرادات وسجلًا تجاريًا يساعدانها على النمو. لذلك تدخل المشتريات الحكومية وطلبات الشركات الكبرى ضمن أدوات بناء الصناعة، إلى جانب المنح وتمويل البحث.
هل تستطيع السياسة الصناعية وصل الحلقتين؟
تتحرك الحكومة البريطانية لمعالجة جزء من كلفة التشغيل عبر برنامج التنافسية الصناعية. وفتحت نافذة تقديم الطلبات في الأول من أكتوبر 2026، وتستمر حتى نهاية نوفمبر، للمصانع المؤهلة في إنجلترا واسكتلندا وويلز.
وبحسب الجدول المعلن، يبدأ الإعفاء من بعض التكاليف المرتبطة بدعم الطاقة المتجددة في أبريل 2027، ثم تلحق به تكاليف آلية ضمان توافر القدرة الكهربائية في أكتوبر من العام نفسه. يستهدف البرنامج تخفيف أعباء محددة على الكهرباء، وفق شروط الأهلية والتشريعات المنظمة.
أما استعادة الوزن الصناعي فتحتاج إلى اجتماع هذه الإجراءات مع تمويل التوسع وتوفير المهارات والطلب التجاري. ويصبح قياس النجاح أوضح عندما تتحول المعرفة إلى خطوط إنتاج إضافية، ومنتجات تباع، وصادرات تحتفظ بموقعها أمام المنافسين. مستقبل الصناعة البريطانية يتحدد بقدرتها على إكمال هذه الرحلة من المختبر إلى السوق.




