تستعد أبوظبي لاستضافة مؤتمر الأمم المتحدة للمياه من 8 إلى 10 ديسمبر 2026، بالشراكة بين الإمارات والسنغال. وفي الطريق إلى المؤتمر، تعمل الإمارات على جمع أطراف تحتاج مشروعات المياه إلى تعاونها: الحكومات التي تضع السياسات، والمؤسسات التي توفر التمويل، والشركات التي تطور الحلول وتشغلها.
تحمل هذه الاستعدادات فرصة اقتصادية تتجاوز أيام المؤتمر الثلاثة. فالمياه تدخل في إنتاج الغذاء والطاقة وتشغيل المدن والصناعة، لكن الحاجة إليها لا تكفي وحدها لجذب الاستثمار. تحتاج المشروعات إلى إعداد جيد، وإيرادات قابلة للاستمرار، وقدرة على توزيع المخاطر بين من يمول ومن ينفذ ومن يشتري الخدمة.
وتشير المبادرات الإماراتية إلى توجه لمعالجة هذه الفجوة من أكثر من جهة: تحريك رأس المال، ودعم التكنولوجيا، وربط المبتكرين بالعملاء. بذلك، يمكن أن تصبح استضافة المؤتمر محطة لتوسيع سوق الحلول المائية، إلى جانب تسريع وصول المياه الآمنة إلى المجتمعات.
التمويل يبدأ قبل المؤتمر
في 15 أكتوبر، جمعت وزارة الخارجية في أبوظبي ممثلين عن الحكومة ومؤسسات التمويل السيادي والتنموي والبنوك التجارية والعمل الخيري، في النسخة الأولى من منتدى قادة تمويل المياه في الإمارات. جاء اللقاء للتحضير للمؤتمر عبر تطوير مشروعات وشراكات قابلة للاستثمار.
تكتسب هذه الخطوة أهميتها من طبيعة القطاع. فمحطة معالجة أو شبكة توزيع تحتاج إلى تمويل طويل الأجل، بينما يريد المستثمر الاطمئنان إلى كفاءة التشغيل والقدرة على تحصيل الإيرادات. ويمكن للتمويل التنموي والضمانات أن يخففا بعض المخاطر، بما يفسح مجالا لمشاركة أوسع من البنوك والمستثمرين.
وكان اجتماع عقدته الإمارات في نيويورك خلال سبتمبر قد ناقش أدوات أكثر تحديدا، بينها التمويل بالعملة المحلية، وضمانات طويلة الأجل، وتمويل إعداد المشروعات. كما تناول فرص إعادة استخدام المياه، وتقليل الفاقد، والتخزين والتحلية الأكثر كفاءة. التركيز على هذه التفاصيل يقرب النقاش من القرارات التي تسبق تنفيذ المشروع.
فجوة تحتاج إلى شركاء
تقدر فجوة الإنفاق السنوية لتحقيق الإتاحة الشاملة للمياه الآمنة والصرف الصحي بنحو 131 إلى 141 مليار دولار. وهذا احتياج إضافي مقدر لتحقيق أهداف 2030، وليس إجمالي الإنفاق العالمي على المياه أو تعهدات منتظرة من مؤتمر أبوظبي.
وتوضح صورة التمويل سبب أهمية توسيع دائرة المشاركين: يأتي نحو 91% من الإنفاق السنوي على قطاع المياه في البلدان النامية من القطاع العام، بينما تقل مساهمة المصادر الخاصة عن 2%.
لذلك، يتطلب جذب أموال إضافية تحسين جاهزية المشروعات وكفاءة المرافق، مع توجيه الاستثمار والدعم إلى المجتمعات الأشد احتياجا. وهو ما يمنح الجمع بين الحكومات والممولين والمشغلين في أبوظبي قيمة عملية: الاتفاق على كيفية تنفيذ المشروعات واستمرار خدمتها، إلى جانب تحديد حجم الأموال المطلوبة.
وتتيح الاستضافة المشتركة مع السنغال حضور احتياجات الدول النامية في صميم الحوار. فالتقنية المناسبة لمرفق كبير قد تحتاج إلى تكلفة وتشغيل مختلفين حين تستخدمها مدينة أصغر أو منطقة ريفية.
مليارا دولار لتحريك المشروعات
تدخل الإمارات هذا المسار بأداة تمويل معلنة. ففي يناير 2026، أطلق صندوق أبوظبي للتنمية «منصة أبوظبي العالمية للمياه»، مستهدفا حشد ملياري دولار من مؤسسات تمويل محلية ودولية.
وتعهد الصندوق بتخصيص مليار دولار خلال الفترة من 2026 إلى 2030، مع استهداف الوصول إلى نحو عشرة ملايين مستفيد حول العالم. هذه أهداف تمويل وتنمية معلنة، ولا تعني أن كامل المبلغ صرف أو أن العدد المستهدف تحقق بالفعل.
وتمنح المنصة الشركاء إطارا يجمع التمويل المشترك والمشروعات والحلول التقنية. فإذا ساعدت مساهمة مؤسسة تنموية على استقطاب ممولين آخرين، يمكن أن يتسع حجم المشروعات التي تمولها الموارد المتاحة. كما تفتح المشروعات المنفذة فرصا لشركات الهندسة والمعالجة والتشغيل، بينما تستفيد المجتمعات من خدمة أكثر موثوقية.
من الابتكار إلى أول عميل
على مسار مواز، تدعم «مبادرة محمد بن زايد للماء» تطوير تقنيات أقل تكلفة وأكثر استدامة. وقدمت المبادرة مساهمة بقيمة 150 مليون دولار أتاحت إطلاق مسابقة «إكس برايز للحد من ندرة المياه» البالغة قيمتها 119 مليون دولار. وفي مايو 2026، تأهل 37 فريقا من 15 دولة إلى مرحلة نصف النهائي.
لكن نجاح الاختبار لا يكفي لبناء شركة أو تشغيل حل على نطاق واسع. ولهذا أعلنت المبادرة في سبتمبر تعاونا مع «داليو للأعمال الخيرية» و«إيماجن إتش تو أو» ومؤسسة «إكس برايز»، لدعم انتقال التقنيات الواعدة من المنافسات إلى التطبيق التجاري.
يشمل التعاون تطوير الأسواق والمساعدة في تصميم التجارب والاختبارات والتواصل مع الشركات والعملاء المحتملين. وهذه خطوة مهمة للمبتكر الذي يحتاج إلى إثبات أن حله يعمل لدى مستخدم فعلي، وللممول الذي يريد رؤية طلب تجاري يتجاوز جودة الفكرة.
يجمع مؤتمر أبوظبي هذه المسارات في موعد عالمي واحد. فمن المقرر أن تستضيف «الواحة»، ضمن فعالياته، المبتكرين والمستثمرين وصناع السياسات، إلى جانب البرنامج الأممي الرسمي. وتتمثل الفرصة التي تعمل الإمارات على بنائها في استمرار هذه الروابط بعد المؤتمر: مشروعات تحصل على التمويل، وتقنيات تجد مستخدميها، وخدمات مياه تصل إلى مزيد من الناس.




