قد تصل الطاقة إلى أوروبا، ويبقى الدفء بعيدًا عن ملايين البيوت. فالمشكلة التي تواجه الحكومات قبيل شتاء 2026 و2027 تتجاوز تأمين الوقود إلى قدرة الأسر على شرائه، بعدما أعادت صدمة الأسعار الضغط على ميزانيات لم تتعافَ بالتساوي من الأزمة السابقة.
حذّر المفوض الأوروبي للطاقة والإسكان دان يورغنسن من شتاء صعب على المواطنين، ودعا إلى تسريع الطاقة المتجددة وكفاءة الاستهلاك والكهرباء. ويجتمع وزراء الطاقة الأوروبيون في لوكسمبورغ في 29 أكتوبر لمناقشة الاستعدادات الشتوية وضغوط الأسعار، إلى جانب إصلاح مكونات فاتورة الكهرباء.
الاختبار أمامهم مزدوج: حماية الناس خلال الأشهر الباردة، وتقليل كمية الطاقة المكلفة التي يحتاجون إلى شرائها في الشتاءات التالية. ولكل مهمة أدواتها وتكلفتها وموعد ظهور أثرها.
تحسن سابق يواجه صدمة جديدة
قبل صدمة أسعار 2026، تراجعت نسبة سكان الاتحاد الأوروبي الذين لا يستطيعون إبقاء منازلهم دافئة بما يكفي من 10.6% في 2023 إلى 9.2% في 2024، ثم 8.8% في 2025. لكن هذا التحسن أبقى شريحة واسعة معرضة لأي ارتفاع جديد في تكلفة التدفئة.

وتكشف تفاصيل 2025 أن العبء موزع بصورة شديدة التفاوت. فقد بلغت النسبة 19.6% بين السكان المعرضين لخطر الفقر، مقابل 6.7% بين بقية السكان. كما بقيت أعلى من 15% في بلغاريا واليونان وليتوانيا والبرتغال وإسبانيا. لذلك قد يخفي المتوسط الأوروبي اختلافًا كبيرًا بين دولة وأخرى، وبين أسرتين في المدينة نفسها.
وكان يورغنسن قد تحدث في سبتمبر عن نحو 50 مليون أوروبي يواجهون صعوبة في تدفئة منازلهم خلال شتاء عادي، محذرًا من تفاقم المشكلة. أما قياس أثر الشتاء الجديد فيحتاج إلى بيانات لاحقة؛ الأرقام السنوية المتاحة تصف الوضع الذي سبق موجة الغلاء الحالية.
البيت نفسه يحدد حجم الفاتورة
تحتاج الأسرة في منزل ضعيف العزل إلى شراء طاقة أكثر للحصول على الدفء نفسه. وعندما يرتفع السعر، تتحمل صدمتين متداخلتين: تكلفة أعلى لكل وحدة، واستهلاكًا مرتفعًا يصعب خفضه دون التضحية براحة السكن.
وإذا كان الدخل محدودًا، تضيق مساحة التكيف أكثر. تستطيع الأسرة خفض ساعات تشغيل التدفئة، لكن قدرتها على تمويل عزل الجدران أو استبدال نظام التدفئة قد تكون أضعف تحديدًا لأنها تنفق جزءًا كبيرًا من دخلها على الفواتير. وهكذا يصبح نقص المال عائقًا أمام الاستثمار الذي يمكن أن يخفض الإنفاق لاحقًا.
لهذا لا تكفي زيادة الإمدادات لمعالجة فقر الطاقة وحدها. فتأمين الوقود يحمي النظام من الانقطاع، بينما تحتاج حماية الأسر إلى معالجة الدخل وكفاءة المباني والتكلفة التي تصل فعليًا إلى المستهلك.
من يتحمل كلفة الإنقاذ؟
يمكن للمساعدة الموجهة إلى الأسر الأشد احتياجًا أن تخفف العبء سريعًا، لكنها تحتاج إلى تمويل وتحديد دقيق للمستفيدين. أما دعم سعر الطاقة للجميع، فيوسع الفاتورة التي تتحملها الموازنة، ويمنح المساعدة أيضًا لمن يستطيعون الدفع ومن يستهلكون أكثر.
وفي المقابل، يستغرق تجديد المباني وتركيب معدات أكثر كفاءة وقتًا وتنفيذًا وتمويلًا مقدمًا. أثره أكثر استمرارًا لأنه يخفض الاحتياج إلى الطاقة، لكنه لا يحل وحده مشكلة أسرة تنتظر فاتورة هذا الشهر. وتحتاج الاستجابة العملية إلى الجمع بين الإغاثة القريبة والاستثمار الذي يقلل تكرارها.
ويدخل تركيب فاتورة الكهرباء في المعادلة أيضًا. فالنقاش الأوروبي يشمل رسوم الشبكات والتدابير الضريبية وتشجيع التحول إلى الكهرباء. وقد يظل الحافز إلى تغيير نظام التدفئة ضعيفًا إذا لم تترجم كفاءته إلى تكلفة تشغيل يستطيع المستهلك تحملها.
شتاء يُقاس داخل المنازل
سيكون الطقس أحد محددات الطلب، لكن قدرة الأسر على مواجهة الشتاء ستعتمد أيضًا على توقيت المساعدة وشروطها، وكفاءة مساكنها، والطريقة التي تنتقل بها تكاليف الطاقة إلى فواتيرها.
أما نجاح السياسة الأوروبية فسيظهر في نتيجتين مترابطتين: عدد أقل من المنازل التي تضطر إلى تقليل التدفئة لأسباب مالية، وحاجة أقل إلى تدخل طارئ كلما ارتفعت أسعار الوقود. تأمين الطاقة خطوة أساسية، وتحويلها إلى دفء ميسور هو الاختبار الذي يعيشه المواطن.




