تتصدر السعودية الدول العربية في الجاهزية الحكومية للذكاء الاصطناعي، بينما تتقدم الإمارات عربيًا في محور بنيته التحتية. والفرق بين الصدارتين مهم: امتلاك القدرة على تشغيل التقنية جانب، وتهيئة المؤسسات والسياسات لاستخدامها وتحويلها إلى خدمات وأعمال جانب آخر.

بالنسبة إلى الشركات، يحدد هذا الفارق أين يمكن تشغيل التطبيقات، وكيف تصل إلى البيانات، ومن يستطيع تطويرها. أما للحكومات، فهو يحدد كيف تتحول استثمارات الحوسبة إلى إنتاجية وفرص اقتصادية.

من يتصدر الترتيب العربي؟

في مؤشر أكسفورد إنسايتس للجاهزية الحكومية للذكاء الاصطناعي 2025، بنسخته المصححة في يناير 2026، تأتي الدول العربية العشر الأولى كما يلي. الترتيب العام يشمل 195 دولة، والعمود الأخير يقيس محور البنية التحتية وحده، لا الدرجة الإجمالية:

من يتصدر الترتيب العربي؟

يشمل محور البنية التحتية الحوسبة والبنية التقنية المساندة وجودة البيانات. لذلك لا تعني درجته عدد مراكز البيانات أو نسبة السكان المستخدمين للذكاء الاصطناعي. كما أن الترتيب الإجمالي يجمع جوانب أخرى، بينها السياسات والحوكمة والتبني الحكومي وتطوير التقنية وانتشارها والمرونة.

الإمارات والسعودية: الاستثمار في القدرة على الإنتاج

توضح المشروعات الكبيرة في الإمارات والسعودية كيف تتحول الحوسبة إلى مجال للاستثمار طويل الأجل. فالهدف يتجاوز توفير تطبيقات جاهزة، إلى بناء قدرة تستطيع الحكومات والشركات والباحثون استخدامها لتدريب النماذج وتشغيلها.

في الإمارات، أُعلن في مايو 2025 مشروع «ستارغيت الإمارات» بقدرة مستهدفة تبلغ غيغاواط واحد، مع توقع آنذاك لبدء تشغيل 200 ميغاواط خلال 2026. يضم التعاون «جي 42» و«أوبن إيه آي» و«أوراكل» و«إنفيديا» و«سيسكو» و«سوفت بنك»، ويربط توفير الحوسبة بتطبيقات في الصحة والتعليم والطاقة والنقل.

وفي السعودية، أعلنت «هيوماين» و«إنفيديا» في الشهر نفسه خطة لبناء بنية حوسبة تصل قدرتها إلى 500 ميغاواط خلال خمس سنوات، تتضمن مرحلة أولى مستهدفة بنحو 18 ألف وحدة من أنظمة GB300. وشملت الشراكة تدريب المطورين والمواطنين على تقنيات الذكاء الاصطناعي والمحاكاة.

هذه الأرقام تصف نطاق الخطط المعلنة، ولا يصح جمعها باعتبارها طاقة متاحة بالفعل. كذلك، فالميغاواط يصف قدرة كهربائية مرتبطة بالمشروع، ولا يكشف وحده أداء المعالجات أو حجم الخدمات التي يمكن بيعها.

والرهان التجاري لهذه المشروعات هو تحويل الحوسبة إلى خدمة متاحة للمؤسسات. فبدل أن تتحمل كل شركة تكلفة بناء تجهيزاتها بالكامل، يمكنها شراء القدرة التي تحتاجها، بشرط توافر الخدمة المناسبة والسعر المقبول ومتطلبات حماية البيانات.

البحرين وقطر: السحابة طريق مختلف إلى الجاهزية

هناك أيضًا مسار يبدأ من البنية السحابية التي تستضيف التطبيقات والبيانات. فقد أطلقت «أمازون ويب سيرفيسز» منطقتها السحابية في البحرين عام 2019 بثلاث مناطق توافر. وفي قطر، افتتحت «غوغل كلاود» منطقة الدوحة في 2023، بثلاث مناطق أيضًا، مع خدمات للحوسبة والتخزين وقواعد البيانات.

هذا النوع من البنية يساعد الشركات على تشغيل أنظمتها بالقرب من المستخدمين وتلبية احتياجات الاحتفاظ بالبيانات محليًا. لكنه لا يعني تلقائيًا امتلاك قدرات ضخمة لتدريب أحدث نماذج الذكاء الاصطناعي؛ فتلك تحتاج تجهيزات وخدمات متخصصة.

لذلك، عند تقييم سوق عربية، تحتاج الشركة إلى معرفة الخدمات المتاحة فعليًا، وسرعة الوصول إليها، وتكلفتها، وقدرتها على الاستمرار. تاريخ افتتاح منطقة سحابية يوضح مسار الاستثمار، لكنه لا يغني عن التحقق من وضع الخدمة وقت التعاقد.

كيف تتحول الجاهزية إلى عائد اقتصادي؟

تفتح التجربة المصرية بابًا آخر للمنافسة. فالاستراتيجية الوطنية للفترة 2025 إلى 2030 تربط البنية التحتية بالبيانات والمهارات والتكنولوجيا والحوكمة ودعم الشركات، وتستهدف تدريب 30 ألف متخصص ودعم أكثر من 250 شركة ناشئة. وهي أهداف مستقبلية، وليست حصيلة متحققة.

وتشير هذه الأولويات إلى أن الفرصة لا تقتصر على امتلاك أكبر مركز بيانات. يمكن تطوير تطبيقات محلية وتكييف نماذج قائمة مع احتياجات الزراعة والصحة والخدمات، إذا توافرت البيانات والمهارات والوصول إلى الحوسبة.

فالاقتصاد يحتاج أربعة أسس متكاملة: اتصالًا موثوقًا يشمل الكهرباء والإنترنت، وقدرة حوسبة ميسورة، وبيانات ملائمة للسياق المحلي، وكفاءات تستطيع إدخال التقنية في العمل. ويمكن تأمين بعض الحوسبة عبر السحابة الدولية بدل بناء كل شيء محليًا.

وبناء على ذلك، فإن اختبار النجاح الاقتصادي يأتي بعد الترتيب: هل تستطيع شركة صغيرة استخدام هذه القدرات بتكلفة مناسبة؟ وهل تختصر مؤسسة وقت الخدمة أو تحسن جودتها؟ وهل يجد المطور المحلي بيانات وعملاء لتطوير منتج قابل للبيع؟ الإجابات عن هذه الأسئلة هي التي تحول الاستعداد للذكاء الاصطناعي إلى قيمة اقتصادية.