قد يكلف مركز بيانات كبير مليارات الدولارات قبل أن يرسل أول فاتورة إلى عميل. فالمشروع يجمع مبنى مجهزا للعمل المتواصل، وخوادم ورقائق باهظة، وشبكات وتبريدا وإمدادات كهرباء لا تحتمل الانقطاع.
العائد يأتي من بيع ما تنتجه هذه التجهيزات: قدرة على تشغيل التطبيقات وتخزين المعلومات ومعالجتها وتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي. لكن وجود طلب على هذه الخدمات لا يعني أن كل مركز سيسترد تكلفته، أو أن كل شركة تشغله ستحقق أرباحا.
كم تبلغ فاتورة البناء والتجهيز؟
يقدر بنك أوف أميركا التكلفة بنحو 49 مليون دولار لكل ميغاواط، وترتفع إلى نحو 57 مليونا في البنية المتخصصة للذكاء الاصطناعي. ويستخدم الميغاواط للمقارنة بين أحجام المراكز من حيث القدرة الكهربائية، لكنه لا يحدد وحده كمية الحوسبة التي تنتجها.
ولتقريب الحجم، فإن تطبيق هذين التقديرين على مركز افتراضي بقدرة 100 ميغاواط يعطي فاتورة بين 4.9 و5.7 مليار دولار. هذه عملية حسابية لتوضيح حجم الاستثمار، وليست تسعيرا لمشروع بعينه.
الأهم أن هذه الأرقام تشمل التجهيزات التقنية. أما تقدير JLL لمتوسط تكلفة إنشاء الهيكل والبنية الأساسية في 2026 فيبلغ نحو 11.3 مليون دولار لكل ميغاواط، قبل التجهيز التقني. لذلك لا تصح مقارنة رقم لبناء المنشأة وحدها برقم يشمل ما يوضع داخلها.
وتستحوذ تكنولوجيا المعلومات على 78% من الإنفاق في تقدير بنك أوف أميركا. والخوادم هي البند الأكبر، بنحو 31.4 مليون دولار لكل ميغاواط، تليها معدات الشبكات بنحو 4.8 مليون. أي أن الجزء الأغلى من المركز هو المعدات التي تنفذ العمل الرقمي.
لماذا يرفع الذكاء الاصطناعي التكلفة؟
تحتاج تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى قدرة حسابية كثيفة، تنفذها مجموعات من الرقائق والخوادم المتصلة بشبكات سريعة. وتزداد معها متطلبات الكهرباء والتبريد داخل المساحة نفسها، فتقل أهمية مساحة المبنى وحدها في تفسير تكلفته.
ويطلق اسم «نيوكلاود» على مزودي خدمات سحابية يركزون على حوسبة الذكاء الاصطناعي. وهو وصف لنشاط الشركات وتخصصها، وليس اسما هندسيا لكل مركز يستخدم الذكاء الاصطناعي.
ولا تنتهي الفاتورة بتشغيل الخوادم. فهناك كهرباء وصيانة وفرق تشغيل وتأمين وتمويل، ثم تحديث المعدات مع تطور التقنية. وقد يظل المبنى صالحا لسنوات طويلة، بينما تتغير جاذبية الرقائق الموجودة داخله وسعر تأجيرها أسرع بكثير.
ولهذا يحتاج المشروع إلى عملاء يدفعون بانتظام، وتسعير يغطي التشغيل وتجديد المعدات وتكلفة رأس المال. شراء أحدث الرقائق وحده لا يصنع هذا العائد.
كيف تتحول الخوادم إلى إيرادات؟
تختلف طريقة الكسب بحسب ما يملكه المشغل وما يبيعه. فقد يؤجر مساحة مجهزة بالكهرباء والتبريد والاتصال لشركات تضع خوادمها فيها. وقد يمتلك الخوادم أيضا ويبيع استخدامها، مع التخزين وقواعد البيانات وخدمات أخرى.
في النموذج السحابي، يدفع العميل مقابل الموارد التي يستهلكها، أو يلتزم بعقد لحجز قدرة لفترة محددة. وتتيح بعض الخدمات المحاسبة بالساعة أو الثانية. أما المزود المتخصص في الذكاء الاصطناعي فيبيع قدرة تستخدم لتدريب النماذج أو تشغيلها للإجابة عن طلبات المستخدمين.
وقد تبني شركة مركزا لخدمة منتجاتها الخاصة، فتستفيد من تشغيل تطبيقاتها وإعلاناتها وخدماتها المدفوعة، دون أن تبيع مساحة المركز للآخرين. هنا يظهر العائد في نتائج النشاط الذي يخدمه، وليس بالضرورة في فاتورة مستقلة باسم مركز البيانات.
وفي جميع الحالات، يؤثر الاستخدام في الجدوى: المعدات التي تعمل لعملاء يدفعون تولد إيرادا، بينما المعدات غير المستغلة تظل تربط أموالا وتتحمل جزءا من التكاليف. والعقود طويلة الأجل تساعد على وضوح الإيرادات، لكنها لا تلغي شروط التسليم وجودة الخدمة.
هل تحقق هذه الأعمال أرباحا بالفعل؟
نعم، لكنها ليست نتيجة مضمونة. ففي الربع الثاني من 2026، حققت خدمات أمازون السحابية AWS مبيعات بلغت 42.2 مليار دولار ودخلا تشغيليا قدره 16.6 مليار دولار. وتوضح هذه النتائج أن بيع الخدمات السحابية يمكن أن يكون نشاطا مربحا على نطاق واسع.
لكن الأرقام تخص قطاع AWS بأكمله، بما يضمه من خدمات وبرمجيات، ولا تمثل عائد مركز واحد أو ربحا صافيا من استثمارات الذكاء الاصطناعي وحدها.
وفي الربع نفسه، حققت CoreWeave، المتخصصة في الحوسبة للذكاء الاصطناعي، إيرادات بنحو 2.58 مليار دولار، لكنها سجلت خسارة صافية بلغت 626 مليون دولار، مع صافي مصروف فوائد قدره 640 مليونا.
يوضح المثالان أن الإيرادات لا تكفي للحكم على الاستثمار. فقد تنمو المبيعات بسرعة، بينما تستنزف تكاليف التشغيل واستهلاك المعدات والتمويل الأرباح. ولا توجد مدة موحدة لاسترداد تكلفة مركز البيانات؛ إذ تختلف حسب تكلفة إنشائه، وأسعار خدماته، واستخدامه الفعلي، وشروط تمويله وتجديد معداته.
ماذا يستفيد العملاء والاقتصاد؟
بالنسبة إلى الشركات المستخدمة، تتيح هذه المراكز الوصول إلى تجهيزات يصعب على كثير منها امتلاكها. فتستطيع شركة ناشئة استئجار قدرة لتطوير تطبيق، أو تحليل بيانات، أو تشغيل نموذج ذكاء اصطناعي، دون تحمل تكلفة إنشاء مركز كامل.
وتستطيع زيادة الموارد عند ارتفاع الطلب وتقليلها لاحقا، بحسب الخدمة والعقد. هذه المرونة تخفض حاجز الدخول إلى الأعمال الرقمية، لكنها لا تعني أن السحابة أرخص في كل حالة؛ فالاستهلاك المستمر والموارد غير المستخدمة وسوء إدارة الخدمة قد ترفع الفاتورة.
كما تخلق مشروعات البناء طلبا على الرقائق ومعدات الكهرباء والتبريد والاتصالات. لكن المنفعة الأوسع تتحقق عندما تستخدم القدرة الجديدة في خدمات ومنتجات تحسن العمل وتولد قيمة تتجاوز تكلفة تشغيلها.
وتبقى الكهرباء شرطا حاسما. فالتأخر في ربط المركز بالشبكة قد يؤخر الإيرادات رغم إنفاق الأموال، كما أن تقدير الطلب بأكثر من حجمه قد يترك بنية كهربائية ضعيفة الاستخدام. لذلك لا تكفي ضخامة الاستثمار لقياس نجاحه؛ الاختبار هو قدرة المركز على تقديم خدمة مطلوبة، بسعر يغطي تكلفتها، وعلى مدار عمره التشغيلي.




