تدخل الإمارات سباق الذكاء الاصطناعي من أكثر من باب: تمويل الشركات، والمشاركة في بناء مراكز البيانات، واستضافة القدرة الحاسوبية التي تحتاجها التطبيقات. لذلك، فإن توجه ماسايوشي سون نحو مستثمرين خليجيين يكشف عن دور يتجاوز توفير المال لمشروع جديد، إلى المشاركة في الأصول التي ستقوم عليها الصناعة.

وتتحدث أنباء المحادثات عن سعي مؤسس سوفت بنك إلى جمع ما يصل إلى 100 مليار دولار من مستثمرين في الخليج، مع اتصالات شملت شخصيات بارزة في الإمارات. والمطروح إنشاء صندوق يستحوذ على شركات ويحسن عملياتها باستخدام الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة. لكنها محادثات غير مؤكدة رسميًا، والرقم هدف محتمل لجمع التمويل، وليس تعهدًا إماراتيًا أو اتفاقًا مكتملًا.

أهمية الخطوة أن الطلب على رأس المال يتسع في اتجاهين: بناء المنشآت التي تشغل الذكاء الاصطناعي، ثم تمويل إدخاله إلى الشركات القائمة. وفي الاتجاهين، تستطيع الاستثمارات الإماراتية أن تجمع بين العائد المالي والمشاركة في تطوير نشاط اقتصادي جديد.

صناعة تحتاج إلى مبانٍ وكهرباء

تختلف طفرة الذكاء الاصطناعي عن نموذج شركة برمجيات تتوسع أساسًا بإضافة مستخدمين. فتدريب النماذج وتشغيلها يحتاجان إلى رقائق وخوادم ومراكز بيانات، وإلى إمدادات كهرباء قادرة على مواكبة التوسع. وكل زيادة كبيرة في الاستخدام تستدعي استثمارات تسبق الإيرادات التي يُنتظر تحقيقها منها.

وتكشف الأرقام حجم هذا التحول. فقد تجاوز الإنفاق الرأسمالي لخمس شركات تكنولوجيا كبرى 400 مليار دولار في 2025، مدفوعًا بالاستثمار في مراكز البيانات. وارتفع طلب مراكز البيانات على الكهرباء 17% خلال العام نفسه، مقابل نمو الطلب العالمي على الكهرباء بنحو 3%.

هذه الفاتورة تفتح المجال أمام شراكات تجمع شركات التقنية والمستثمرين ومطوري الطاقة. فالشركة التي تملك النموذج تحتاج إلى من يوفر الحوسبة، ومطور مركز البيانات يحتاج إلى تمويل وتجهيزات وعملاء. وكل طرف يمتلك جزءًا من القدرة على تحويل الطلب المتوقع إلى خدمة يمكن بيعها.

من شراء حصة إلى تأسيس شراكة

أنشئت MGX في أبوظبي في مارس 2024، بمشاركة مبادلة وG42 كشريكين مؤسسين، باستراتيجية تشمل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والتطبيقات والتقنيات الأساسية. هذا الاتساع يتيح الاستثمار في حلقات مختلفة من الصناعة، بدل ربط المشاركة بنجاح تطبيق واحد.

ويظهر ذلك في شراكة البنية التحتية للذكاء الاصطناعي التي أطلقتها MGX مع بلاك روك وجلوبال إنفراستركتشر بارتنرز ومايكروسوفت. تستهدف الشراكة تعبئة 30 مليار دولار من رأس المال، بما قد يتيح استثمارات تصل إلى 100 مليار دولار عند إضافة التمويل بالدين.

هنا، لا يمثل الرقم الأكبر أموالًا تدفعها الإمارات وحدها. إنه حجم استثمار محتمل لشراكة متعددة الأطراف، تستخدم مساهمات المستثمرين أساسًا لجذب تمويل إضافي. والمشاركة في تأسيس مثل هذه الشراكات تمنح رأس المال الإماراتي موقعًا في تنظيم الاستثمار، إلى جانب المساهمة فيه.

وبالنسبة إلى شركات التقنية، توسع هذه الصيغة قاعدة تمويل المنشآت التي تحتاجها. وبالنسبة إلى المستثمرين، تتيح الدخول إلى أصول تخدم الطلب على الحوسبة، مع اعتماد عوائدها على الاستخدام والعقود وتكاليف التشغيل.

الاستثمار في الخارج وبناء القدرة في الداخل

شاركت MGX أيضًا ضمن المستثمرين المؤسسين في مشروع «ستارغيت» الأمريكي، إلى جانب سوفت بنك وأوبن إيه آي وأوراكل. ويضع هذا الدور جهة إماراتية داخل شراكة مخصصة لتمويل البنية التحتية التي تحتاجها نماذج الذكاء الاصطناعي.

وفي المقابل، أُعلن في مايو 2025 مشروع «ستارغيت الإمارات» في أبوظبي، بخطة لإنشاء مجمع حوسبة بقدرة جيجاواط واحد، بمشاركة G42 وأوبن إيه آي وأوراكل وإنفيديا وسيسكو وسوفت بنك. وتضمنت الشراكة كذلك استثمارًا إماراتيًا في بنية ستارغيت داخل الولايات المتحدة.

يجمع هذا الترتيب بين الاستثمار الخارجي وبناء قدرة محلية. فمن جهة، تشارك المؤسسات الإماراتية في تمويل توسع الصناعة عالميًا. ومن جهة أخرى، يتيح تطوير مراكز حوسبة داخل الدولة فرصة لتوفير خدماتها للشركات والمؤسسات، وتوسيع الأعمال المرتبطة بالتشغيل والهندسة والبرمجيات.

وتظل القدرة المعلنة للمجمع حجمًا مستهدفًا للمشروع، وليست دليلًا على أن كاملها دخل الخدمة. فالمنفعة الاقتصادية تتسع كلما تحولت الخطط إلى منشآت عاملة وعقود استخدام فعلية.

ما الذي تضيفه محادثات سون؟

إذا تحقق الصندوق المقترح، فسيفتح مسارًا مختلفًا عن تمويل مراكز البيانات: شراء شركات قائمة ومحاولة رفع إنتاجيتها باستخدام الذكاء الاصطناعي. والعائد المنتظر في هذه الحالة يأتي من تحسين أعمال تلك الشركات، لا من ارتفاع قيمة الأصول التقنية وحده.

ولم تتضح بعد أسماء المستثمرين المشاركين، أو مساهمة أي طرف إماراتي، أو شروط الصندوق ومواعيد تنفيذه. لذلك لا يمكن إضافة هدفه التمويلي إلى استثمارات إماراتية مؤكدة، ولا اعتباره امتدادًا تلقائيًا للشراكات القائمة.

لكن هذه الشراكات تجيب بالفعل عن جانب من السؤال: الإمارات تشارك في تمويل الذكاء الاصطناعي عالميًا، وتبني لنفسها مواقع في بنيته التحتية. أما اتساع هذا الدور فسيتحدد بقدرتها على تحويل رأس المال والشراكات إلى أصول منتجة وخدمات يستخدمها العملاء، سواء انتهت محادثات سون إلى اتفاق أم لم تنته.