قد تمتلك شركة الرقائق والتمويل والأرض اللازمة لبناء مركز بيانات، ثم تكتشف أن موعد تشغيله يتوقف على سؤال أبسط: من أين ستأتي المياه والكهرباء؟ ومع تسارع استثمارات الذكاء الاصطناعي، تدخل الإجابة في حسابات اختيار الموقع وتصميم المنشأة والعائد المنتظر منها.

هذه العلاقة هي محور تحرك إماراتي جديد لوضع الماء داخل التخطيط لاقتصاد الذكاء الاصطناعي. فقد أعلنت الإمارات، في 7 أكتوبر 2026، تقرير «Crosscurrents» الذي يدعو إلى التعامل مع المياه والطاقة والبنية الرقمية كمنظومة واحدة، تمهيدًا لمؤتمر الأمم المتحدة للمياه في أبوظبي.

القيمة الاقتصادية لهذا الطرح أن كفاءة استخدام الموارد يمكن أن تمنح موقعًا استثماريًا أفضلية على آخر. فالأرض الأرخص قد تصبح أقل جاذبية إذا احتاج المشروع إلى انتظار شبكات جديدة، بينما تزداد قيمة الموقع الذي يستطيع توفير خدمة مستقرة وقابلة للتوسع.

فاتورة الماء تبدأ قبل تشغيل الخوادم

ترتبط المياه بالذكاء الاصطناعي في ثلاث حلقات رئيسية: تصنيع الرقائق الذي يحتاج إلى مياه فائقة النقاء، وتبريد بعض مراكز البيانات، وتوليد الكهرباء التي تشغلها. لذلك قد ينجح مركز في خفض استهلاكه داخل المبنى، بينما تبقى له احتياجات مائية غير مباشرة في محطات الكهرباء وسلاسل التوريد.

ويغيّر ذلك طريقة حساب الكفاءة. فخفض المياه عند موقع الخوادم لا يكفي وحده للحكم على البصمة الكاملة، كما أن سحب المياه من مصدر ما يختلف عن استهلاك الجزء الذي لا يعود إليه بعد الاستخدام. والكمية نفسها قد تترك أثرًا مختلفًا تبعًا لمكان استخدامها وموسمها.

يتزايد وزن هذه الحسابات مع التوسع المتوقع للقطاع. وتتوقع وكالة الطاقة الدولية ارتفاع استهلاك مراكز البيانات العالمية من الكهرباء من 485 تيراواط ساعة في 2025 إلى نحو 950 تيراواط ساعة في 2030، بما يقارب 3% من الطلب العالمي. وهذه أرقام تشمل مراكز البيانات عمومًا، بينما تتوقع الوكالة ارتفاع استهلاك المراكز الموجهة للذكاء الاصطناعي إلى ثلاثة أمثاله خلال الفترة نفسها.

هذا النمو يجعل مصدر الكهرباء قرارًا مائيًا أيضًا. فالطاقة الشمسية الكهروضوئية والرياح لا تحتاجان أثناء التوليد إلى تبريد الدورة البخارية المستخدم في محطات حرارية كثيرة، مع بقاء احتياجات مرتبطة بالتصنيع والصيانة وتنظيف الألواح. اختيار مزيج الطاقة المناسب يستطيع بالتالي تقليل بعض الاحتياجات المائية خارج مركز البيانات.

التبريد يغيّر حسابات الاستثمار

اختيار نظام التبريد يوضح لماذا يصعب اختزال المنافسة في أقل تكلفة للبناء. فالتبريد بالتبخير يمكن أن يخفض الكهرباء اللازمة للتبريد، لكنه يستهلك ماءً. وفي المقابل، قد يتطلب تجنب التبخير استخدامًا أكبر للكهرباء، تبعًا للمناخ والتصميم وكثافة المعدات.

مايكروسوفت تقدم مثالًا على هذه المفاضلة. فقد أعلنت تصميمًا يعيد تدوير سائل التبريد في دائرة مغلقة، لتجنب تبخير المياه أثناء التبريد التشغيلي. وتقدر الشركة أن التصميم يمكن أن يجنب المركز استخدام أكثر من 125 مليون لتر سنويًا، لكنها تقر بأن استبدال التبريد بالتبخير بأنظمة ميكانيكية يرفع احتياجات الطاقة، وتعمل على الحد من هذه الزيادة.

ولا تعني عبارة «دون استهلاك ماء للتبريد» اختفاء المياه من كل أنشطة المركز أو من الكهرباء والرقائق التي يعتمد عليها. إنها تصف جانبًا محددًا من التشغيل، وهو فرق يؤثر في المقارنة بين المشروعات.

بالنسبة إلى المستثمر، تمتد المفاضلة من سعر المعدات إلى فاتورة التشغيل وموثوقية الإمداد. وقد يكون الإنفاق الإضافي على إعادة الاستخدام أو التبريد الملائم مجديًا إذا ساعد على تشغيل مستقر وخفّض الحاجة إلى إمدادات جديدة. أما حجم الوفر الفعلي فيحتاج إلى حسابات تخص كل موقع.

ميزة الإمارات في جمع التخطيط والتنفيذ

تطرح الإمارات هذا الملف باعتباره فرصة لبناء البنية الرقمية مع شبكات الماء والطاقة منذ البداية. فالتنسيق المبكر يتيح تحديد احتياجات المركز، ومصدرها، ومراحل توسعها قبل تثبيت قرارات يصعب تغييرها بعد البناء.

وتظهر تطبيقات هذا التوجه في استخدام «خزنة داتا سنترز» أنظمة تحد من استهلاك المياه، والاستعانة بمياه الصرف المعالجة حيث تتوافر، وتطوير حلول تبريد مغلقة وعلى مستوى الرقائق. وتكمن أهمية هذه الخيارات في توسيع بدائل التشغيل وربط التصميم بظروف الموقع.

يتجاوز الأثر المحتمل مشغلي المراكز إلى موردي أنظمة التبريد ومعالجة المياه وإعادة استخدامها، وشركات الكهرباء والتحكم الرقمي. فكل توسع في القدرة الحاسوبية يحتاج إلى خدمات ومعدات تضمن استمراره، ما يفتح فرص أعمال حول تشغيل الذكاء الاصطناعي نفسه.

ويقترح التحرك الإماراتي إدخال مخاطر المياه والمناخ في قرارات الاستثمار، والإفصاح بصورة قابلة للمقارنة عن الاستخدام المباشر وغير المباشر. وجود هذه البيانات يساعد الممولين والشركات على التمييز بين منشأة تبدو كفؤة داخل حدودها وأخرى أكثر كفاءة عبر منظومتها كاملة.

الذكاء الاصطناعي عميل للمياه ومورد لحلولها

تظهر فرصة ثانية عندما تستخدم مرافق المياه الذكاء الاصطناعي لكشف التسربات، وتوقع الطلب، وتحديد أولويات إصلاح الأنابيب، وتحسين تشغيل المعالجة والتحلية. تقليل الماء المفقود يمكن أن يخفض كذلك الكهرباء والمواد اللازمة لإنتاج ماء بديل وضخه.

لكن شراء البرنامج وحده لا يحقق هذا العائد. فالمرفق يحتاج إلى بيانات موثوقة، وأجهزة قياس، وموظفين يستطيعون تحويل التوقعات إلى قرارات صيانة وتشغيل. لذلك تمتد السوق المحتملة من الخوارزميات إلى تحديث الشبكات وتنمية المهارات.

ستستضيف الإمارات والسنغال مؤتمر الأمم المتحدة للمياه في أبوظبي من 8 إلى 10 ديسمبر 2026. ومن المقترحات المطروحة الدفع نحو إعلان طوعي عالمي للاستخدام الكفؤ والمسؤول للمياه في الذكاء الاصطناعي، إلى جانب التخطيط المتكامل والإفصاح وتشجيع التقنيات الأقل استهلاكًا.

وسيكون الاختبار بعد المؤتمر في انتقال هذه المبادئ إلى شروط اختيار المواقع، وعقود الإمداد، وقرارات التمويل. عندها تصبح القدرة على إدارة الماء والطاقة جزءًا أوضح من المنافسة على جذب استثمارات الذكاء الاصطناعي وتشغيلها لسنوات.