في أبوظبي، بدأ الذكاء الاصطناعي ينتج مرشحين لأدوية جديدة، بالتوازي مع سعي الإمارة إلى بناء صناعة للعلاجات المتقدمة. الجمع بين المسارين يمكن أن يوسع دورها في سوق الدواء، من شراء العلاج وتوفيره إلى المشاركة في ابتكاره، ثم بناء قدرات لإنتاجه محليا.

خلال 2026، أعلنت شركة «إنسيليكو ميديسين» عن مرشحين دوائيين ارتبط تطويرهما بمركزها البحثي في أبوظبي: أحدهما يستهدف أوراما صعبة العلاج، بينها أورام الدماغ، والآخر يستهدف الألم بآلية غير أفيونية. وهما مركبان اختيرا لاستكمال التطوير، ولم يصبحا علاجين معتمدين للمرضى.

وتضع الدكتورة أسماء المناعي، المديرة التنفيذية لعلوم الحياة الصحية في دائرة الصحة أبوظبي، هذا التقدم ضمن توجه أوسع لتوطين العلاجات الخلوية والجينية والمستحضرات الحيوية. والفرصة الاقتصادية هي أن تستضيف الإمارة أعمال البحث والتطوير والإنتاج التي تسبق وصول الدواء إلى المستشفى والصيدلية.

ماذا تحقق داخل المختبر؟

في أبريل 2026، أعلنت إنسيليكو اختيار المركب «ISM0387» مرشحا للتطوير بعد برنامج بدأ في مايو 2025، واستغرق أقل من 12 شهرا للوصول إلى هذه المرحلة. ونفذ الفريق المحلي أعمال التصميم والتحسين حتى اختيار المرشح قبل السريري.

استهدف البرنامج مشكلة دقيقة في علاج أورام الدماغ: الوصول إلى النسيج المطلوب عبر الحاجز الذي ينظم انتقال المواد من الدم إلى الدماغ. واستخدم الباحثون الذكاء الاصطناعي لتوليد مركبات ومقارنتها، ثم اختبروا خصائصها، وصولا إلى مركب أظهر نتائج مشجعة في النماذج قبل السريرية.

وفي يوليو، أعلنت الشركة اختيار «ISM9528»، وهو مرشح غير أفيوني لتسكين الألم. وساعد تحليل البيانات البيولوجية على تحديد مسار محتمل للتدخل، قبل الانتقال إلى التجارب المعملية وتحسين المركب. وأعلنت الشركة استهداف بدء تجاربه السريرية في 2027.

هنا تتحدد قيمة السرعة بدقة: اختصار مرحلة البحث عن مركب يستحق التطوير. أما إثبات سلامته وفعاليته لدى البشر، ثم الحصول على الموافقات، فمراحل لاحقة. ولا تصح مقارنة أشهر اختيار المرشح بالسنوات اللازمة لإيصال دواء معتمد إلى السوق، باعتبارهما المرحلة نفسها.

كيف يتحول البحث إلى نشاط اقتصادي؟

كلما اختصر الباحثون الوقت اللازم لفرز المركبات وتحسينها، أمكن توجيه موارد أكبر إلى الخيارات الأجدر بالاختبار. وهذه هي الفائدة الاقتصادية المحتملة للذكاء الاصطناعي في البداية: تحسين قرارات الإنفاق البحثي وتسريعها، مع بقاء الحاجة إلى الاختبارات الفعلية.

وبالنسبة إلى أبوظبي، يحمل وجود فريق يطور المركبات محليا قيمة تتجاوز نتيجة برنامج واحد. فهو يبني خبرة في الكيمياء الحاسوبية والبحث الدوائي، ويخلق عملا للمختبرات والباحثين، ويفتح فرصا للشراكات البحثية وترخيص حقوق تطوير المركبات وتسويقها إذا تقدمت بنجاح.

وقد تأسس مركز إنسيليكو في أبوظبي عام 2023 بدعم مكتب أبوظبي للاستثمار. وتعاونت الشركة مع مؤسسات أكاديمية محلية، بينها جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي وجامعة خليفة وجامعة نيويورك أبوظبي. يساعد هذا الترابط على تحويل القدرات الرقمية إلى عمل بحثي متخصص له تطبيق صناعي.

وتضيف البيانات الصحية والجينية مسارا آخر. فبرنامج الجينوم الإماراتي يوفر معرفة بالخصائص الوراثية للسكان يمكن الاستفادة منها في فهم الأمراض وتطوير الطب الدقيق. لكنه مسار مكمل لمنظومة البحث، ولا يعني أن المرشحين المعلنين بُنيا بالضرورة على بيانات البرنامج.

لماذا تجمع أبوظبي البحث والتصنيع؟

تختلف استضافة مختبر لاكتشاف الأدوية عن تشغيل مصنع ينتجها. يحتاج الأول إلى علماء وبيانات وقدرات حسابية وتجارب، بينما يحتاج الثاني إلى تقنيات إنتاج وضبط جودة وتأهيل تنظيمي وسلاسل إمداد ملائمة.

ولجمع هذه الأنشطة، أطلقت أبوظبي في أبريل 2025 مجمع الصحة والطب واللياقة لحياة مستدامة «HELM»، ليضم البحث والتطوير والتصنيع والتسويق في مجالات الدواء والتكنولوجيا الحيوية والصحة الرقمية.

وتتوقع الجهات القائمة عليه أن يسهم بأكثر من 94 مليار درهم في الناتج المحلي للإمارة، ويجذب استثمارات تتجاوز 42 مليار درهم، ويوفر نحو 30 ألف وظيفة بحلول 2045. هذه مستهدفات للمنظومة الأوسع، وليست عوائد تحققت بالفعل أو تقديرا لقيمة المرشحين الدوائيين.

ويتيح هذا التوجه جذب الشركات إلى أكثر من نشاط داخل الإمارة، بحيث تستطيع تطوير شراكات بحثية، والاستفادة من المؤسسات الصحية، ودراسة إقامة إنتاج محلي. وبذلك تتسع فرص الاستثمار لتشمل مراحل متعددة من صناعة الدواء.

ما الخطوة التي تربط الاكتشاف بالإنتاج المحلي؟

لا يحسم مكان الاكتشاف مكان التصنيع النهائي. وقد أوضح رئيس إنسيليكو أن تصنيع مرشح الألم، إذا وصل إلى السوق، قد يجري في الصين أو الهند. لذلك، فإن توطين إنتاج العلاجات يحتاج اتفاقات وقرارات استثمارية إضافية، حتى عندما يشارك باحثون في أبوظبي في ابتكارها.

هذا يوضح أهمية بناء منظومة تجمع البحث بالصناعة: تستطيع أبوظبي استقطاب نشاط علمي الآن، والعمل بالتوازي على جذب حلقات أخرى من الإنتاج. ويتوقف التقدم على انتقال المرشحين إلى التجارب، ونتائجها، وتوسع الشراكات إلى عمليات قابلة للتنفيذ.

ما تحقق حتى الآن هو بناء قدرة محلية على المشاركة في اكتشاف مركبات جديدة. وإذا اتصلت هذه القدرة بالتطوير السريري والتصنيع، فإن أبوظبي توسع حصتها من المعرفة والعمل والاستثمار التي تنتج العلاج، وتدعم أمنها الصحي بقدرات تتجاوز تأمين الإمدادات.