تستطيع شركة الطيران بيع تذاكر أغلى، وجذب مسافرين أكثر، ثم تجد أن أرباحها لا تتحسن. فالزيادة في إيراد الرحلة قد تذهب إلى خزان الوقود قبل أن تصل إلى الربح. ومع استمرار اضطراب سوق الطاقة بفعل الحرب في إيران، بدأت شركات تعيد النظر في عدد الرحلات التي تضيفها، وفي الوجهات التي تستحق تشغيل طائراتها عليها.
الطلب الذي يصمد اليوم لا يمنحها ضمانًا للغد. لويس رودريجيز، الرئيس التنفيذي لـ«تاب إير البرتغال»، يتوقع فترة صعبة قد تمتد من ثلاث إلى خمس سنوات. وهو تقدير يعكس مخاوف الإدارة من طول الأزمة، وليس موعدًا محسومًا لانتهائها.
زيادة المبيعات لا تعني زيادة الأرباح
في توقعاته الصادرة في يونيو، قدر الاتحاد الدولي للنقل الجوي أن ترتفع إيرادات القطاع العالمي 9.4% خلال 2026، بينما تنخفض أرباحه الصافية إلى 23 مليار دولار، مقابل 45 مليارًا في 2025. ويهبط هامش الربح المتوقع إلى 2%، أي دولارين فقط من كل مئة دولار إيرادات.
هذه الفجوة تجعل رفع التذاكر دفاعًا عن الأرباح أكثر منه دليلًا على ازدهار الشركات. فتكلفة الوقود ترتفع بسرعة، بينما تتوقف قدرة الناقل على زيادة السعر على المنافسة والوجهة وقدرة المسافر على الدفع. وقد يبيع مقعدًا بسعر أعلى من العام الماضي، لكنه يحتفظ بربح أقل منه.
تقدم «دلتا» مثالًا واضحًا. ففي نتائج الربع الثالث المعلنة في 9 أكتوبر، سجلت إيرادات معدلة بلغت 17.6 مليار دولار، وقالت إن الطلب ما زال قويًا. لكنها تتوقع استيعاب زيادة بنحو 6 مليارات دولار في تكلفة الوقود خلال العام، مع أرباح سنوية معدلة قبل الضريبة تقارب 4.5 مليار دولار. الرقمان يوضحان حجم العبء، ولا يعنيان أن فاتورة الوقود الإضافية خسارة صافية بالقيمة نفسها.
التوسع قد يزيد المشكلة
عندما تكون التكلفة مرتفعة، لا تصبح إضافة رحلة قرارًا مربحًا لمجرد وجود ركاب محتملين. تحتاج الشركة إلى بيع مقاعدها بسعر يغطي التكلفة الإضافية. وإذا اضطرت إلى تقديم خصومات لملء الرحلة الجديدة، فقد تزيد مبيعاتها من دون أن تحقق العائد الذي يبرر تشغيلها.
لذلك تتحول المنافسة من سباق لزيادة عدد المقاعد إلى اختيار أدق للمقاعد التي يمكن بيعها بربح. وفي سبتمبر، قلصت شركات أمريكية خطط تشغيلها: ألغت «يونايتد» بعض رحلات ديسمبر، وخفضت «ساوث ويست» خطتها لنمو السعة في 2026 إلى النصف، بينما راجعت «أمريكان إيرلاينز» تشغيلها مع ارتفاع تكاليف الربع الأخير.
تقليص السعة هنا لا يعني توقف السفر أو انسحاب الشركات من كل أسواقها. قد يعني تقليل الرحلات في الأوقات الأضعف، أو تأجيل خط جديد، أو توجيه الطائرة إلى وجهة تحقق عائدًا أفضل. ويستطيع هذا الانضباط دعم الأسعار، لكنه يترك المسافر أمام خيارات أقل في بعض المسارات.
المشكلة أكبر من سعر برميل النفط
شراء وقود الطائرات لا يتحدد بسعر الخام وحده. فالتكرير وتوافر المنتج ومسارات الإمداد تؤثر أيضًا في السعر النهائي. لذلك قد ينخفض النفط من دون أن تتراجع فاتورة الناقل بالسرعة نفسها.
وقد أظهرت استجابة المصافي للأزمة أن السوق تستطيع زيادة الإمدادات عندما تصبح أسعار وقود الطائرات مجزية. رفعت مصافٍ في أوروبا وأمريكا الشمالية وغرب أفريقيا نصيب هذا الوقود من إنتاجها، ما ساعد على تعويض جزء مهم من الإمدادات المتعطلة وتجنب نقص أشد. لكن توافر الوقود لا يساوي بالضرورة عودته إلى سعر مريح لشركات الطيران.
وتوفر عقود التحوط، التي تحد من أثر تقلب الأسعار، حماية مؤقتة لبعض الشركات. إلا أن تغطية جزء من الاستهلاك لا تلغي أثر موجة غلاء طويلة، كما أن التحوط على النفط الخام لا يحمي بالكامل من اتساع الفارق بين سعره وسعر وقود الطائرات.
المسافر يرسم حدود الزيادة
يبقى الخطر أن تستمر فاتورة الشركة في الصعود بينما تضيق ميزانية العميل. فقد يقبل المسافر زيادة واحدة، ثم يختار رحلة أقصر أو موعدًا أرخص أو يؤجل السفر عندما تتراكم عليه تكاليف المعيشة. لهذا لا تكفي الحجوزات القوية وحدها لتبرير توسع طويل الأجل.
ولا تتساوى الشركات في قدرتها على تحمل الضغط. فالناقل الذي يستطيع جذب إنفاق أعلى على خدماته أو نقل طائراته بين أسواق مختلفة يملك خيارات أوسع من شركة تعتمد على مسافر شديد الحساسية للسعر. لكن حتى الإيراد الأعلى يظل مطالبًا بتغطية الوقود وبقية التشغيل قبل أن يتحول إلى ربح.
إذا استمر الغلاء، فلن يظهر أثره في التذكرة فقط. سيظهر أيضًا في الوجهات التي تفتح، وعدد الرحلات المتاحة، والتوسع الذي تؤجله الشركات. وما يستحق المتابعة هو ما يبقى من إيراد الرحلة بعد تكلفتها، وهل يستطيع المسافر مواصلة دفع السعر الذي تحتاجه الشركة.




