عادت سفينة الحاويات الكورية الجنوبية «بان ستار أكرو» إلى بوسان في 11 أكتوبر 2026، بعد رحلة تجارية تجريبية ذهابًا وإيابًا إلى أوروبا عبر القطب الشمالي استغرقت 50 يومًا. ومع اكتمال أول رحلة كورية من هذا النوع، انتقل الرهان إلى اختبار أصعب: هل تستطيع شركات الشحن بيع خدمة منتظمة ومربحة على هذا الطريق؟
تبدو الجغرافيا مغرية. فالمسار بين بوسان وروتردام عبر الشمال يبلغ نحو 13 ألف كيلومتر، مقابل نحو 20 ألفًا عبر قناة السويس. وتقدّر السلطات الكورية إمكانية تقليص زمن الإبحار من نحو 30 يومًا إلى 20 يومًا. لكن تحويل هذه الأفضلية إلى أجرة شحن منافسة يتطلب سفنًا تحمل بضائع كافية، وتأمينًا متاحًا، ومواعيد يستطيع العملاء الاعتماد عليها.
الحاوية هي وحدة الحساب
انطلقت السفينة في 22 أغسطس بحمولة بضائع تعادل 737 حاوية قياسية بطول 20 قدمًا، إضافة إلى نحو 100 حاوية فارغة، بينما كانت الشركة تستهدف جمع بضائع تعادل 1300 حاوية. وتبلغ السعة الاسمية للسفينة 2758 حاوية قياسية.
توضح هذه الأرقام الفارق بين نجاح العبور ونجاح الخدمة. فالبضائع المحملة عند المغادرة تعادل نحو 27% من السعة الاسمية. وهذه نسبة محسوبة بالحاويات، وليست مقياسًا لإشغال السفينة بالوزن، ولا حكمًا على حصيلة الرحلة كاملة بعد التحميل والتفريغ في الموانئ الأوروبية.
تتحمل الرحلة أجور الطاقم وتكاليف السفينة والتشغيل حتى لو بقي جزء من سعتها دون استخدام. وكلما توزعت تلك التكاليف على بضائع أكثر، أصبح تقديم سعر تنافسي أسهل. لذلك قد تفقد رحلة قصيرة جزءًا من ميزتها إذا كانت حمولة الذهاب محدودة أو لم تتوافر بضائع كافية للعودة.
ولا يثبت ضعف الحمولة الأولى غياب الطلب مستقبلًا؛ فالخدمة ما زالت تجربة. لكنه يجعل جذب العملاء وتكرار حجوزاتهم شرطًا أساسيًا قبل زيادة عدد السفن.
اختصار الزمن يحتاج موعدًا موثوقًا
عادت «بان ستار أكرو» بعد ستة أيام من موعد الوصول الأصلي في 5 أكتوبر. ولا تكفي مدة الرحلة الكاملة، بما تشمل من توقفات وعمليات موانئ، لقياس وفورات الإبحار بدقة. لذلك يبقى تقليص الزمن بنحو الثلث تقديرًا لإمكانات المسار، إلى أن تكتمل المقارنة التفصيلية للتكاليف والأزمنة.
بالنسبة إلى مصنع ينتظر قطع غيار أو تاجر يرتب مخزونه، تزداد قيمة الوصول المبكر عندما يكون متوقعًا. أما تفاوت المواعيد فقد يدفع العميل إلى الاحتفاظ بمخزون احتياطي أكبر، بما يستهلك جزءًا من الوفر الذي يعد به الطريق الأقصر.
وفي المياه القطبية، قد يفرض الجليد تغيير السرعة أو المسار. كما تخضع الملاحة لمتطلبات خاصة تشمل شهادة للسفينة وإجراءات تشغيل وتدريبًا مناسبًا للضباط. وتزيد المسافات البعيدة عن مراكز الدعم صعوبة الإنقاذ والاستجابة للحوادث.
لهذا ستفحص الحكومة الكورية استهلاك الوقود وتكلفة التشغيل والمسافة والزمن الفعليين. فهذه البيانات ستحدد ما إذا كان تقليص الكيلومترات يعوض أعباء التأمين والاستعداد للملاحة في الجليد، وفي أي موسم يصبح ذلك ممكنًا.
بوسان تراهن على تجميع البضائع
تأمل سيول إطلاق خدمات منتظمة بحلول 2030. ويتجاوز طموحها نقل الصادرات الكورية؛ إذ تسعى إلى تعزيز دور بوسان بوابةً لحركة التجارة بين شرق آسيا وأوروبا.
وتقول «بان ستار» إنها تلقت استفسارات وحجوزات لبضائع صينية ويابانية تُنقل عبر بوسان. وإذا تحول هذا الاهتمام إلى تدفقات متكررة، يمكن للميناء أن يجمع شحنات من أسواق عدة ويزيد حمولة السفن المتجهة شمالًا، مع فرص إضافية للمناولة والتخزين والخدمات اللوجستية.
لكن انتظام هذه الشبكة يتطلب معالجة الاعتماد على المرور بمحاذاة الساحل الروسي. وقد تشاورت سيول مع موسكو بشأن الرحلة والمساعدة المحتملة عند التعرض لمشكلات في الجليد. وتضيف العقوبات الغربية المرتبطة بروسيا تعقيدات أمام التأمين والمدفوعات والخدمات، حتى لو أمكن تنفيذ العبور نفسه.
ماذا يعني ذلك لقناة السويس؟
قد ينافس الطريق القطبي على بعض الشحنات بين شمال شرق آسيا وشمال أوروبا، حيث تكون وفورات المسافة واضحة. ويتوقف اتساع هذه المنافسة على عدد الأشهر التي يمكن التشغيل خلالها، وحجم السفن المناسب، وقدرة الشركات على ضمان المواعيد.
وتتمتع المسارات التقليدية بشبكات موانئ وأسواق وخدمات ونقل بري تدعم تجميع البضائع وتوزيعها. والمنافسة مع هذه الشبكات تحتاج أكثر من نجاح رحلة واحدة، خصوصًا في تجارة الحاويات التي تعتمد على جداول مترابطة ومحطات متعددة.
لذلك لا تتيح التجربة الكورية حتى الآن تقدير حصة بضائع ستتحول عن السويس أو خسارة إيرادات بعينها. ما يستحق المتابعة هو تكلفة نقل الحاوية بعد احتساب جميع الأعباء، وحمولة العودة، واستمرار العملاء في الحجز.
إذا استطاعت سيول تحسين هذه المؤشرات عبر رحلات متكررة، فقد يصبح الشمال خيارًا تجاريًا مؤثرًا لبعض الخطوط. أما موعد 2030، فسيُختبر بقدرة الناقل على تقديم سعر وموعد يشتريهما العملاء باستمرار.




