قد تصبح أدوات الذكاء الاصطناعي متاحة على الهاتف نفسه في بلد غني وآخر فقير، لكن العائد الاقتصادي منها لن يكون متساويا بالضرورة. فالشركة التي تملك كهرباء مستقرة وبيانات منظمة وعاملين مدربين تستطيع تحويل الأداة إلى خدمة أسرع أو إنتاج أقل تكلفة. أما منافستها التي تفتقد هذه الأساسيات، فقد تتمكن من تجربة التقنية دون أن تحقق المكاسب نفسها.
هذه الفجوة تفسر تحذير مسؤولين في صندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، في أكتوبر 2026، من أن موجة الذكاء الاصطناعي قد تدعم النمو العالمي وتوسع التفاوت في الوقت نفسه. فارتفاع إنتاج العالم لا يعني أن كل دولة ستحصل على حصة متقاربة من الزيادة.
لماذا لا يكفي امتلاك الأداة؟
أكدت إيرا دابلا نوريس، نائبة مدير إدارة شؤون المالية العامة في صندوق النقد الدولي، أن التحدي أمام اقتصادات نامية كثيرة هو قدرتها على تبني الذكاء الاصطناعي ونشر استخدامه. والتبني هنا يعني إدخاله في العمل اليومي، بحيث يحسن ما تنتجه الشركات والمؤسسات بالفعل.
تبدأ العقبة قبل الوصول إلى التطبيق. وتكشف بيانات منشورة في 2025 أن 93% من سكان الدول مرتفعة الدخل يستخدمون الإنترنت، مقابل 27% في الدول منخفضة الدخل. وحين يظل الاتصال نفسه محدودا، تضيق قاعدة الشركات والعاملين القادرين على المشاركة.
ثم تأتي متطلبات أخرى: قدرة حوسبية يمكن تحمل تكلفتها، وبيانات تناسب اللغة والسوق المحلية، ومهارات تسمح باستخدام المخرجات وتقييمها. وجود هذه العناصر معا هو ما يحول الوصول إلى التكنولوجيا إلى قدرة على الاستفادة منها.
لذلك قد تتسع الفجوة حتى لو تحسنت أحوال الجميع. فإذا ارتفعت إنتاجية الشركات في الاقتصادات الأجهز بسرعة أكبر، أصبحت أقدر على خفض التكلفة وتحسين الخدمة والتوسع. وقد يحقق منافسوها في الاقتصادات الأقل استعدادا تقدما أيضا، لكن بوتيرة لا تكفي للحاق بهم.
لماذا يتقدم الكبار داخل البلد نفسه؟
الفارق لا يمر بين الدول وحدها. ففي دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التي تتوافر عنها بيانات، استخدمت 52% من الشركات الكبيرة الذكاء الاصطناعي في 2025، مقابل 17.4% من الشركات الصغيرة. أي إن نسبة الاستخدام لدى الكبيرة تقارب ثلاثة أمثالها لدى الصغيرة.
شراء اشتراك لا يغطي كل تكلفة التحول. فالشركة تحتاج إلى اختيار استخدام مفيد، وتجهيز بياناتها، وربط الأداة بأنظمتها، وتدريب الموظفين ومراجعة النتائج. وهذه متطلبات يصعب تحملها عندما يكون التمويل محدودا والخبراء قليلين.
وقد تمنح وفورات الحجم الشركات الكبيرة أفضلية إضافية: تستطيع توزيع تكلفة التطوير والتدريب على عمليات وعملاء أكثر، بينما تتحمل الشركة الصغيرة تكلفة مشابهة لخدمة نشاط أضيق. وإذا تحولت الأفضلية إلى أسعار أكثر تنافسية، فقد يصبح تأخر التبني مشكلة في القدرة على الاحتفاظ بالعملاء.
ومع ذلك، فالفجوة في الاستخدام لا تقيس فجوة الأرباح مباشرة. بعض الاستخدامات يظل محدودا، ووجود الأداة داخل الشركة لا يثبت أنها رفعت إنتاجيتها أو غطت تكلفتها.
هل طفرة الاستثمار تعني تحقق المكاسب؟
هناك فرق بين النمو الذي يولده بناء مراكز البيانات وشراء الرقائق، والنمو الذي يأتي لاحقا من إنجاز العمل بكفاءة أعلى. الأول ينشأ مع الإنفاق، بينما يحتاج الثاني إلى أن تغير الشركات طريقة عملها وتستخدم التقنية على نطاق واسع.
تقدر مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا أن الذكاء الاصطناعي قد يرفع النمو العالمي بنحو نصف نقطة مئوية سنويا خلال العقد المقبل. لكنه احتمال يرتبط بانتشار الاستخدام والتكيف معه، وليس مكسبا تحقق بالفعل أو حصة مضمونة لكل اقتصاد.
ويمتد التفاوت إلى العاملين. فقد حذرت دابلا نوريس من أن الموظفين الأصغر سنا والمبتدئين قد يتضررون إذا تولت الأنظمة المهام التي كانوا يكتسبون الخبرة من خلالها. تقليص هذه المهام قد يوفر المال للشركة، لكنه يثير سؤالا عن كيفية تدريب الجيل التالي.
وتقدير تعرض نحو 40% من الوظائف عالميا للذكاء الاصطناعي لا يعني اختفاء هذه الوظائف. فالتعرض يشمل مهاما يمكن تحسينها بمساعدة التقنية، وأخرى قد تستبدلها الأنظمة. الأثر يتوقف على طبيعة العمل وطريقة إدخالها إليه.
هل تستطيع الدول الأقل دخلا اللحاق؟
اللحاق لا يشترط أن تبني كل دولة نموذجا ضخما أو تنافس على أكبر مركز بيانات. تستطيع تطبيقات أخف تعمل على أجهزة يومية أن تقدم فوائد عملية، من مساعدة العاملين في الصحة إلى دعم أنشطة الشركات الصغيرة.
لكن توسيع هذه الفوائد يحتاج إلى اتصال موثوق، ومهارات، وتمويل متاح للشركات، وأدوات تتلاءم مع الاحتياجات المحلية. ولهذا قد يكون تحسين شبكة الكهرباء أو تدريب العاملين استثمارا حاسما للاستفادة من الذكاء الاصطناعي، حتى لو كان أقل لفتا للانتباه من إعلان نموذج جديد.
وسيتضح حجم النجاح من انتشار المكاسب: هل تصل إلى الشركات الصغيرة والعاملين الجدد، وهل تتحسن الإنتاجية خارج القطاعات التقنية؟ إذا ظلت الفوائد محصورة في الجهات الأجهز، فقد ينمو الاقتصاد العالمي بينما تزداد المسافة بين من يتقدمون بسرعة ومن يحاولون اللحاق.




