تريد الحكومة البريطانية تخفيف فواتير الأسر، لكن فاتورتها هي ترتفع أيضًا. فزيادة أسعار الطاقة تضغط على دخل العائلات، بينما يلتهم ارتفاع كلفة الاقتراض مساحة كان يمكن استخدامها لمساعدتها. وفي موازنة 28 أكتوبر، سيواجه وزير المالية جون هيلي اختبارًا يتجاوز الإعلان عن دعم جديد: كيف يموله من دون أن يزيد كلفة الدين التي تضيق خياراته أصلًا؟
تعهد هيلي بأن تقوم موازنته الأولى على الانضباط المالي، مع منح الأسر والشركات قدرًا أكبر من الاستقرار. لكن الحرب مع إيران وارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف التمويل تجعل الجمع بين الوعدين أصعب. فالمساعدة التي تبدو ضرورية اجتماعيًا تحتاج إلى إيرادات إضافية، أو خفض إنفاق آخر، أو اقتراض تقبله الأسواق بسعر معقول.
الفائدة تسبق الوزير إلى الموازنة
تجاوز عائد السندات الحكومية البريطانية لأجل 30 عامًا مستوى 6% لفترة وجيزة في أكتوبر، وسط موجة بيع عالمية للسندات. وهذه حركة تهم من لا يملك سندًا واحدًا: عندما يطلب المستثمرون عائدًا أعلى لإقراض الحكومة، ترتفع تكلفة تمويل احتياجاتها الجديدة.
لا يعني ذلك أن الفائدة على كل الديون القديمة تقفز فورًا. لكن الدولة تحتاج إلى تجديد الديون المستحقة وتمويل العجز، فتتسرب الأسعار الجديدة إلى فاتورتها تدريجيًا. والنتيجة أن جزءًا أكبر من موارد الموازنة يذهب لخدمة الدين، قبل أن يصل إلى الخدمات أو دعم المعيشة.
في مارس، بلغ الهامش المتوقع للوفاء بالقواعد المالية نحو 24 مليار جنيه إسترليني. وتقدر مؤسسة «ريزوليوشن فاونديشن» أنه قد يتراجع إلى 12 مليارًا، مع ارتفاع إنفاق فوائد الدين في 2029/2030 بنحو 14 مليار جنيه فوق توقعات مارس.
هذا الهامش ليس رصيدًا نقديًا ينتظر الإنفاق، بل المسافة بين توقعات المالية العامة والحد الذي تسمح به القواعد. تقلصه يعني أن أي مساعدة إضافية تحتاج إلى تعويض أو إلى قبول مخاطرة أكبر بعدم تحقيق الأهداف.
دعم أصغر وأكثر انتقائية؟
على الجانب الآخر، تتوقع «ريزوليوشن فاونديشن» أن ترتفع فاتورة الطاقة السنوية النموذجية إلى نحو ألفي جنيه بدءًا من يناير. وهو تقدير لما قد تدفعه الأسرة ذات الاستهلاك النموذجي، وليس مبلغًا موحدًا لكل منزل.
كلما اتسعت دائرة المستفيدين من الدعم ارتفعت كلفته. لذلك يصبح توجيه المساعدة إلى الأسر الأشد احتياجًا خيارًا أكثر قابلية للتمويل من تخفيض الفواتير للجميع. واقترحت المؤسسة خصمًا مؤقتًا على أسعار الطاقة للأسر التي لا يتجاوز دخل أي فرد فيها 24 ألف جنيه، بكلفة تبلغ ملياري جنيه هذا العام.
هذا مقترح بحثي، وليس قرارًا حكوميًا. لكنه يوضح المقايضة التي تواجه الموازنة: دعم أوسع يخفف الضغط عن عدد أكبر من الناخبين، أو دعم محدود يحافظ على موارد الدولة لكنه يترك أسرًا أخرى تواجه الزيادة وحدها.
التضخم يساعد الخزانة ويضعف خدماتها
ليست كل التقديرات متشائمة بالقدر نفسه. فمعهد الدراسات المالية يرى سيناريو محتملًا يبقى فيه الهامش قرب 20 مليار جنيه، لأن ارتفاع الأجور الاسمية قد يزيد حصيلة الضرائب ويعوض جانبًا من ارتفاع النفقات. لذلك لا يصح التعامل مع تراجع الهامش إلى النصف بوصفه نتيجة محسومة.
لكن تحسن الحصيلة لا يعني تحسن القدرة الشرائية. عندما ترتفع الأجور لتعويض الغلاء وتظل حدود شرائح ضريبة الدخل مجمدة، قد يدفع العامل ضريبة أكبر من دون زيادة مماثلة في دخله الحقيقي.
وتواجه الخدمات العامة المشكلة المعاكسة: الاعتماد المالي نفسه يشتري موارد أقل عندما ترتفع الأسعار. وقد تبقى الموازنة ضمن قواعدها الحسابية بينما تتراجع كمية الخدمات التي تستطيع توفيرها.
لهذا، فإن إبقاء الإنفاق كما هو ليس قرارًا بلا تكلفة. إنه قد ينقل عبء التكيف إلى مستخدمي الخدمات، فيما تتطلب حماية قدرتها الشرائية تمويلًا إضافيًا.
هل تتحمل البنوك جزءًا من الفاتورة؟
تتجه الأنظار إلى أرباح البنوك بوصفها مصدرًا محتملًا للإيرادات. ومن الخيارات المتداولة قبل الموازنة رفع الرسم الإضافي على أرباحها من 3% إلى 8%. لكن الحكومة لم تعلن قرارها النهائي، ولا يجوز احتساب حصيلة الزيادة كأموال أصبحت متاحة.
إقرار زيادة كهذه قد يتيح تمويل بعض الأولويات من قطاع محدد بدل توزيع الزيادة الضريبية مباشرة على جميع الأسر. لكنه يفتح خلافًا حول أثرها في جاذبية البنوك للاستثمار، وهي حجة يدفع بها القطاع في مواجهة الخطوة.
في 28 أكتوبر، لن تكفي معرفة مقدار الدعم المعلن. الأهم هو من يستحقه، ومدة استمراره، ومن أين يأتي تمويله. فنجاح الموازنة سيتوقف على تخفيف ضغط المعيشة بخطة تستطيع الحكومة تنفيذها، لا على وعود تستدعي اقتراضًا أغلى في الجولة التالية.




