توقفت تشيرنوبل عن إنتاج الكهرباء نهائيًا في ديسمبر 2000، لكن فاتورتها لم تتوقف. فالموقع الذي شهد كارثة 1986 يحتاج اليوم إلى إصلاح حاجز الأمان الذي أُقيم فوق المفاعل الرابع المدمر، بتكلفة أولية لا تقل عن 500 مليون يورو.
الأموال الجديدة تستهدف استعادة قدرة المنشأة على احتواء المواد المشعة وحماية أعمال تفكيكها. وهي مهمة تمتد لعقود بعد انتهاء إنتاج الكهرباء، ويعني تأجيلها تعريض البنية الواقية نفسها لمزيد من التلف.
في 16 أكتوبر 2026، أعلن وزير المالية الألماني لارس كلينغبايل مساهمة بقيمة 50 مليون يورو، لا تزال معروضة على البرلمان ويتوقع إقرارها بحلول منتصف نوفمبر. وجاء الإعلان بعد تعهدات من أعضاء في مجموعة السبع بقيمة إجمالية تبلغ 260 مليون يورو. فما الذي يحتاج إلى كل هذا الإصلاح؟
ما الموجود فوق المفاعل المدمر؟
بعد انفجار المفاعل الرابع عام 1986، شُيد حوله غلاف خرساني على عجل لاحتواء مخلفاته المشعة. لكن هذا البناء، المعروف باسم «التابوت»، لم يكن حلًا دائمًا، وأصبح تفكيك أجزائه غير المستقرة يتطلب حاجزًا أكبر يحمي الموقع أثناء العمل.
لذلك أُقيم «الغلاف الآمن الجديد»، وهو قوس فولاذي ضخم يغطي المبنى القديم وبقايا المفاعل. نُقل القوس إلى موضعه في 2016، ثم دخل الخدمة بالكامل في 2019، وصُمم للمساعدة في إبقاء المواد المشعة معزولة لمدة لا تقل عن مئة عام.
وللغلاف وظيفتان مترابطتان: منع انتشار المواد المشعة إلى البيئة، وتوفير مساحة محمية تسمح بتفكيك المنشآت القديمة بأمان. لذلك لا تكفي سلامة شكله الخارجي للحكم على كفاءته؛ يجب أيضًا أن تعمل أنظمة العزل والتهوية والمعدات الداخلية كما صُممت.
الضرر أعمق من ثقب في السقف
أصاب هجوم بطائرة مسيرة الغلاف في 14 فبراير 2025، وأحدث فتحة في كسوته الداخلية والخارجية، وتبعه حريق أضر بالغشاء الداخلي العازل. ثم أُنجز إغلاق الفتحة الخارجية في أكتوبر من العام نفسه، لكن ذلك لم يُعد جميع وظائف الحماية.
المطلوب يشمل استعادة إحكام الكسوة، واستبدال أغشية العزل التي تصل القوس بالمنشآت الخرسانية، وإصلاح وظائف التهوية والتحكم في الهواء. هذه الأجزاء تمنع دخول الأمطار، وتتيح ضبط الضغط وحركة الهواء داخل المنشأة، وتحافظ على البيئة اللازمة لعملها.
وتأثرت كذلك منظومة الرافعات الداخلية اللازمة لأعمال التفكيك. ولهذا فإن إصلاح السقف وحده لا يضمن إمكانية استئناف جميع الأعمال التي بُني الغلاف من أجلها.
وتحتاج هذه الصورة إلى تمييز مهم: فقدان بعض وظائف الاحتواء لا يعني تلقائيًا وقوع تسرب إشعاعي جديد. ففي تقييم أُعلن في ديسمبر 2025، بقيت القراءات الإشعاعية في الموقع ضمن الحدود المقررة، ولم يُرصد ضرر دائم في الهياكل الحاملة أو أنظمة المراقبة. المشكلة هي تراجع مستوى الحماية الذي يفترض أن يستمر طويلًا.
لماذا يصبح التأخير أكثر كلفة؟
الغلاف منظومة هندسية تعمل فوق موقع ملوث، وتوضح إدارة المحطة أن مستويات الإشعاع في مناطق العمل تجعل الاستعادة مهمة تقنية معقدة. وهذا يحد من إمكانية التعامل معها كإصلاح تقليدي لسقف صناعي.
وتستهدف الأعمال إعادة المنشأة إلى كامل وظائفها بحلول 2030، لتجنب تآكل وتدهور هيكلي قد يصبحان غير قابلين للعكس. استمرار الخلل يعني أن التمويل المطلوب لاحقًا قد يذهب إلى معالجة أضرار إضافية، إلى جانب إصلاح الضرر الأصلي.
بدأت خطوة تنفيذية في سبتمبر 2026 بتوقيع عقد للأعمال الهندسية الأولى مع ائتلاف «نوفاركا 2». لكن تقدير 500 مليون يورو يظل حدًا أدنى أوليًا لاستعادة الغلاف، وليس سعرًا نهائيًا لكل أعمال معالجة إرث تشيرنوبل.
من يدفع ثمن أمان لا يبيع كهرباء؟
في مشروع لتوليد الطاقة، يمكن أن تسهم الإيرادات المستقبلية في تمويل الاستثمار. أما الغلاف الواقي في تشيرنوبل فوظيفته احتواء خطر قائم، ولذلك يعتمد إصلاحه على المساهمات العامة والتعاون الدولي، بتنسيق من البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية.
وتعهدات مجموعة السبع البالغة 260 مليون يورو مشروطة بالإجراءات الوطنية للدول المساهمة. فلا يصح التعامل معها باعتبارها مبلغًا وصل كاملًا إلى المشروع، كما لا يصح إضافة كل إعلان وطني إلى الإجمالي تلقائيًا قبل معرفة ما إذا كان مدرجًا فيه.
وتتجه الأنظار إلى مؤتمر المانحين المقرر في باريس يوم 9 نوفمبر، لجمع مساهمات أخرى وتغطية الاحتياجات المتبقية. والاختبار العملي هو انتقال التعهدات إلى تمويل متاح وعقود وأعمال تنجز ضمن المهلة الفنية.
تكشف تشيرنوبل جانبًا طويل الأجل من تكلفة الطاقة النووية: انتهاء توليد الكهرباء لا ينهي الإنفاق على الأمان والتفكيك وإدارة المواد المشعة. وفي هذه الحالة، أضافت الحرب فاتورة جديدة إلى التزام قائم منذ عقود.




