تدخل الصين موسم التدفئة بمخزونات غاز مرتفعة، بينما تراقب أسواق الطاقة احتمال اشتداد المنافسة على الشحنات خلال الشتاء. لكن أهمية الاستعداد الصيني تتجاوز تأمين التدفئة والمصانع. فعندما تتوافر الإمدادات محليًا، تستطيع الشركات الاحتفاظ بما تحتاجه وإعادة بيع بعض الكميات المتعاقد عليها إلى مشترين يدفعون أكثر.
هذا الدور المزدوج يغير موقع الصين في السوق. فهي تظل مستوردًا كبيرًا، لكنها أصبحت أيضًا طرفًا يعيد توزيع الغاز الطبيعي المسال بين الدول. وقد تمنحها مخزونات الشتاء هامشًا أوسع لاختيار توقيت الشراء ووجهة الشحنات، بدل الاضطرار إلى منافسة الآخرين على كل شحنة متاحة.
مخازن ممتلئة لا تعني اكتفاءً كاملًا
تقدر شيونغ وي، المحللة لدى ريستاد إنرجي، امتلاء مرافق تخزين الغاز تحت الأرض في الصين بنحو 80% بنهاية سبتمبر 2026. ويرى محللون أن الاستعداد المبكر عزز قدرة البلاد على مواجهة طلب الشتاء ومخاطر ارتفاع الأسعار المرتبطة بحرب إيران.
لكن نسبة الامتلاء تقيس ما استُخدم من سعة التخزين، ولا تعني أن المخزون يغطي 80% من استهلاك الشتاء، أو أن الصين تستطيع الاستغناء عن الإنتاج والواردات طوال الموسم. فالتخزين جزء من منظومة تجمع الغاز المنتج محليًا والإمدادات المستمرة والمخزون المسحوب عند ارتفاع الطلب.
وفي اجتماع عقدته الإدارة الوطنية للطاقة في 21 سبتمبر، طلبت السلطات تسريع ضخ الغاز للوصول إلى الشتاء بمخازن تحت الأرض ممتلئة وخزانات ساحلية مرتفعة المنسوب، إلى جانب زيادة الإنتاج المحلي وتجهيز خطط الطوارئ. وجمعت التوجيهات بين تأمين الكميات واستقرار الأسعار، مع التحذير من اضطرابات الشرق الأوسط والطقس المتطرف.
كما أن الصورة تختلف بين المخازن. فشيونغ وي تقدر أن إعادة ملء خزانات الغاز المسال في محطات الاستيراد، بعد تراجع مخزوناتها مؤخرًا، قد تتطلب نحو مليوني طن إذا أراد الموردون بلوغ طاقتها الكاملة. وهذا طلب محتمل لإعادة التخزين، وليس عجزًا مؤكدًا في إمدادات الشتاء.
تراجع الطلب يترك شحنات للبيع
لا ترجع مرونة الصين إلى الشراء المبكر وحده. فقد تراجع استهلاك الغاز فيها بنحو 4% على أساس سنوي بين مارس ويونيو 2026، وفق تقديرات وكالة الطاقة الدولية. ومع ارتفاع الإنتاج المحلي، انخفضت واردات الغاز المسال خلال الفترة نفسها بنحو 12%.
وتكشف هذه الأرقام مفارقة مهمة: قد تتحسن وفرة الغاز المتاح للمشتري لأن حاجته إليه انخفضت. فالأسعار المرتفعة تضغط على المصانع التي تعتمد عليه، وتدفع بعض المستهلكين إلى خفض الاستخدام أو البحث عن بدائل. لذلك لا تعني المخازن المرتفعة وحدها أن النشاط الصناعي يزداد قوة أو أن الطاقة أصبحت رخيصة.
وبالنسبة إلى الشركات التي تملك عقود توريد طويلة الأجل، لا تختفي الكميات المتعاقد عليها بمجرد تباطؤ الاستهلاك المحلي. عندما تسمح شروط العقد، يمكن إعادة بيع الشحنة إلى سوق أخرى. وقد تتجه مباشرة من بلد الإنتاج إلى المشتري الجديد، دون أن تدخل الصين أولًا.
المستورد يصبح منافسًا للمورد
يقدر معهد اقتصاديات الطاقة والتحليل المالي أن الشركات الصينية أعادت بيع ما بين 17 و19 مليون طن من الغاز المسال خلال 2025. وكانت كوريا الجنوبية واليابان وهولندا من أبرز الوجهات، ما يوضح أن تجارة إعادة البيع سبقت استعدادات الشتاء الحالي.
وتدعم العقود المرنة، خصوصًا لبعض الإمدادات الأميركية والأسترالية، قدرة الشركات على تغيير وجهة الشحنات. كما تتوسع شركات صينية كبيرة في السفن وأنشطة التجارة، بما يمنحها أدوات لتنفيذ الصفقات خارج السوق المحلية.
وتعني هذه التحولات أن منتج الغاز قد يبيع بعقد طويل الأجل إلى شركة صينية، ثم يجدها تنافسه على مشترٍ آخر باستخدام شحنة من محفظتها. أما المشترون، فيكسبون قناة إضافية للحصول على الوقود عندما تضيق الخيارات.
ومع ذلك، فإن إعادة البيع لا تنتج غازًا جديدًا. إنها تغير وجهته، وتساعد على وصوله إلى السوق الأشد احتياجًا أو الأعلى سعرًا. ويعتمد ربح الصفقة على فارق الأسعار بعد تكلفة الشحن والتمويل والالتزامات التعاقدية، وليس على ارتفاع السعر العالمي وحده.
الشتاء يختبر مساحة المناورة
يمكن أن يخفف انخفاض احتياج الصين إلى الشراء الفوري حدة المنافسة مع أوروبا على الشحنات المتاحة. لكن هذا الأثر يظل مشروطًا بالطقس واستمرار الإمدادات وحجم السحب من المخزون. فإذا اشتد البرد أو تعطلت الواردات، تصبح أولوية الشركات تأمين السوق المحلية، وقد تتقلص الكميات التي تستطيع عرضها بالخارج.
لذلك لا يكفي مراقبة نسبة امتلاء المخازن لمعرفة أثر الصين في الأسعار. الأهم هو حجم مشترياتها الإضافية، وسرعة استهلاك المخزون، والفارق بين أسعار الداخل والخارج. هذه العوامل تحدد ما إذا كانت الشركة الصينية ستدخل السوق العالمية بحثًا عن شحنة، أم تعرض شحنة تملك حق بيعها.




