احتلت خمس شركات صينية المراكز الخمسة الأولى في ترتيب موردي توربينات الرياح عالميا في 2025، ومع ذلك نُفذ 93.4% من إجمالي القدرات التي ركبتها الشركات الصينية داخل سوقها المحلية. تجمع الصين، إذن، بين تفوق صناعي واسع وحضور خارجي لا يزال أصغر كثيرا مما يوحي به ترتيب شركاتها.
هذه المفارقة تحدد معركة الصناعة المقبلة. فقد منح الطلب المحلي الضخم المصنعين الصينيين فرصة لتطوير المعدات وخفض تكلفتها، لكن تحويل هذه الأفضلية إلى مشاريع حول العالم يتطلب إقناع المطورين والممولين بقدرة التوربين على إنتاج الكهرباء لسنوات، وبوجود من يصونه ويمول المشروع الذي سيعمل فيه.
كيف يصنع الحجم أفضلية؟
يبدأ التفوق الصيني قبل وصول التوربين إلى موقع المشروع. فالمصنع يعمل ضمن شبكة واسعة من موردي المكونات والمواد والعمالة المتخصصة، تدعمها خبرة تراكمية في الإنتاج وسياسات وتمويل ساهما في توسيع الصناعة.
ويمنح تكرار الطلبات الكبيرة هذه المنظومة فرصة لتوزيع تكاليف التطوير والمصانع على إنتاج أكبر. كما أن تقارب حلقات التوريد يسهل تنسيق التصنيع، ويقلل الحاجة إلى بناء كل جزء من الصناعة من الصفر. لذلك يصعب اختزال الفارق مع المنافسين في أجور العمال وحدها أو في قرار دعم منفرد.
مع ذلك، تظل تكاليف المدخلات مؤثرة. ففي تصنيع شفرات توربينات الرياح، تفسر فروق الطاقة والعمالة نحو ثلاثة أرباع فجوة تكلفة الإنتاج بين الصين وأوروبا، ضمن مقارنة لمنشآت متماثلة الحجم تعتمد بيانات 2024.
لهذا لا يكفي افتتاح مصنع تجميع في بلد آخر للحصول تلقائيا على السعر الصيني. يحتاج المنافس إلى موردين وطلبات مستمرة وكفاءة تشغيل، أو إلى ترتيب سلسلة توريد دولية تحقق جزءا من هذه المزايا.
من سعر المعدات إلى سعر الكهرباء
تظهر نتيجة هذه المنظومة في حسابات توليد الكهرباء. ففي 2025، بلغت التكلفة المستوية للكهرباء من مشاريع الرياح البرية الجديدة في الصين نحو 27 دولارا لكل ميجاواط ساعة، مقابل متوسط عالمي يقارب 33 دولارا، ونحو 52 دولارا في ألمانيا.
والمقصود بهذا المقياس متوسط تكلفة إنتاج الكهرباء على عمر المشروع، مع احتساب الاستثمار والتشغيل والتمويل. وهو لا يمثل سعر بيع الكهرباء للمستهلك، كما أن المقارنة بين الدول تشمل اختلاف الرياح والتمويل والتنفيذ، ولا تقيس أثر جنسية التوربين وحدها.
يتيح انخفاض تكلفة المعدات للمطور خفض المبلغ المطلوب لبناء المحطة، وقد يساعده على تقديم عرض أكثر تنافسية لبيع الكهرباء. لكن نقل التوربين إلى بلد آخر لا ينقل معه تلقائيا تكلفة الاقتراض أو سرعة التصاريح أو سهولة الاتصال بالشبكة.
وقد يبتلع ارتفاع كلفة التمويل جزءا من الوفر الصناعي. فالمشروع يحتاج إلى دفع تكاليف البناء قبل تحصيل إيرادات الكهرباء، ما يجعل سعر الفائدة وشروط الدين عنصرين مؤثرين في جدواه، حتى عندما تكون معداته رخيصة.
الأسواق الخارجية تفتح تدريجيا
التوسع الصيني خارج الحدود يتسارع بالفعل. ارتفعت القدرات التي ركبتها الشركات الصينية في الأسواق الخارجية من نحو 5.46 جيجاواط في 2024 إلى 9.32 جيجاواط في 2025، بزيادة تقارب 71%. وهذه أرقام للتركيب الميكانيكي، وليست كلها بالضرورة قدرات بدأت ضخ الكهرباء في الشبكات.
واستحوذت آسيا خارج الصين على 57% من تلك التركيبات الخارجية في 2025، تلاها الشرق الأوسط بنسبة 16%، ثم أفريقيا بنسبة 12%. يمنح ذلك الأسواق النامية وزنا واضحا في المرحلة الحالية من التوسع.
لكن المنافسة لم تُحسم. احتفظ الموردون الأوروبيون بنحو 94.5% من سوق أوروبا في العام نفسه، وتصدرت «فيستاس» ترتيب الموردين من حيث القدرات المركبة خارج الصين.
وتشير هذه الخريطة إلى أن الحجم المحلي والسعر التنافسي لا يفتحان جميع الأسواق بالسرعة نفسها. فالوصول إلى المشترين يحتاج أيضا إلى حضور يستطيع دعم المعدات بعد تسليمها، وإلى ترتيبات تعاقدية تناسب مشروع كهرباء طويل الأجل.
مصر تختبر الحزمة الكاملة
يظهر هذا النموذج في مشروع «سويس لطاقة الرياح» بقدرة 1.1 جيجاواط في مصر. فقد أعلنت «إنفيجن» الصينية في يناير 2025 عقدا لتوريد 138 توربينا، بقدرة 8 ميجاواط للوحدة، لمشروع تطوره «أكوا باور» وشريكتها. وشمل الاتفاق خدمات صيانة طويلة الأجل لمدة 25 عاما.
ولا تقف الصفقة عند المعدات. فالمشروع يرتبط باتفاق لشراء الكهرباء لمدة 25 عاما مع الشركة المصرية لنقل الكهرباء، وتمويل من البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية يصل إلى 200 مليون دولار ضمن تمويل المشروع. ويوضح البنك أن آجال التمويل وفترات السماح التي يتيحها تساعد في تلبية احتياجات لا توفرها السوق التجارية بالشروط نفسها.
تقلل هذه العناصر أنواعا مختلفة من عدم اليقين. فعقد شراء الكهرباء يحدد المشتري وإطار الإيرادات، والصيانة الممتدة تنظم خدمة المعدات، بينما يساعد التمويل الطويل على مواءمة سداد الدين مع تحصيل العائد.
وبذلك تستطيع الشركات الصينية توسيع دورها من بيع المعدات إلى خدمة مشاريع تمتد لعقود. وسيظهر مدى نجاحها في نمو المشاريع المنفذة خارج الصين واستمرار أدائها، لا في ترتيب أحجام المصانع وحده. فالتوربين الأقل تكلفة يمنح أفضلية عند تقديم العرض، وتبقى قيمة الكهرباء المنتجة طوال عمره هي الاختبار الحاسم.




