يحتاج التحول الأخضر إلى تمويل المشاريع، ويحتاج التمويل نفسه إلى بنية تستطيع نقل الأموال وإدارة الأوراق المالية بكفاءة. عند تقاطع هذين المسارين يأتي إصدار بنك أبوظبي الأول سندات خضراء رقمية بمليار درهم، في خطوة تختبر استخدام البنية الرقمية في خدمة استثمارات ذات أهداف بيئية.
الإصدار هو الأول من نوعه في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. جرى تسعيره في 13 أكتوبر 2026 بفائدة 5.75%، وتسويته في 15 أكتوبر عبر منصة «يوروكلير» للبنية التحتية الرقمية للأسواق المالية، على أن يستحق في 15 أكتوبر 2029. وستدعم حصيلته مشاريع تحقق فوائد بيئية أو مناخية.
لكن أهمية التجربة تمتد إلى طريقة عمل سوق التمويل. فإذا أمكن إصدار السندات رقميا مع إبقائها متصلة بشبكات المستثمرين والتداول القائمة، يصبح تطوير البنية المالية أقرب إلى تحسين سوق تعمل بالفعل، ويمكن استخدام التحسين نفسه في تمويل مشاريع جديدة.
رقمنة الطريق إلى رأس المال
السند الرقمي يظل أداة اقتراض لها مصدر وفائدة وموعد استحقاق. ما يتغير هو كيفية إنشائه وتسجيله وتسويته، أي إتمام انتقال الورقة المالية ومقابلها المالي بين أطراف العملية.
تستخدم منصة يوروكلير تقنية السجلات الموزعة، التي تتيح للأطراف المخولة التعامل مع سجل مشترك. وتكمن الفائدة المحتملة في تقليل تكرار تسجيل البيانات ومطابقتها، وزيادة أتمتة العمليات المرتبطة بالإصدار.
وتحتفظ المنصة باتصالها بالبنية التقليدية لخدمات السوق الثانوية، حيث يجري تداول السندات بعد إصدارها. لذلك يستطيع المستثمر التعامل مع ورقة صدرت رقميا عبر بنية مالية مألوفة، بدلا من اضطراره إلى الانضمام إلى سوق منفصلة تماما.
هذه الصلة مهمة للتمويل الأخضر. فسهولة إصدار السند لا تكفي وحدها لجذب رأس المال؛ يحتاج المستثمر أيضا إلى ترتيبات واضحة لحفظه ونقله وتداوله. وكلما اتسعت إمكانية استخدام الأداة داخل السوق القائمة، زادت فرص تحولها إلى خيار تمويل متكرر.
الأخضر وجهة الأموال، والرقمي طريقة إدارتها
يجمع الإصدار صفتين تؤدي كل منهما وظيفة مختلفة. الصفة الخضراء تتعلق بتخصيص حصيلة التمويل لمشاريع مؤهلة بيئيا، أما الصفة الرقمية فتتعلق بالبنية التي يصدر السند ويسجل ويسوى من خلالها.
تشمل الفئات المعروفة للمشاريع الخضراء الطاقة المتجددة وكفاءة استخدام الطاقة والنقل النظيف. وهذه أمثلة على استخدامات التمويل الأخضر عموما، وليست قائمة معلنة بالمشاريع التي ستمولها حصيلة إصدار أبوظبي الأول.
ولكي يستطيع المستثمر تقييم النتيجة، تقوم الممارسات الدولية للسندات الخضراء على وضوح استخدام الأموال، واختيار المشاريع، وإدارة الحصيلة، والإفصاح عن تخصيصها وأثرها. ويمكن للتقنية أن تخدم إدارة المعلومات، بينما يظل قياس الفائدة البيئية مرتبطا بما تنفذه المشاريع فعليا.
بالنسبة إلى الشركات التي تبحث عن تمويل للتحول، فإن الجمع بين المسارين قد يوسع الأدوات المتاحة أمام البنوك والمستثمرين. لكنه لا يعني أن كل إصدار رقمي يخلق تلقائيا مشروعا جديدا؛ فالسندات الخضراء قد تمول مشاريع جديدة أو تعيد تمويل مشاريع مؤهلة قائمة.
الكفاءة أوسع من سعر الفائدة
لا تثبت فائدة 5.75% وحدها أن الرقمنة خفضت تكلفة هذا الإصدار. فالمقارنة تحتاج إلى سند تقليدي مماثل في العملة والأجل والمخاطر وتوقيت التسعير.
وتشير أدلة دولية مبكرة إلى أن تكلفة إصدار السندات المرمزة، المسجلة في صورة رقمية على هذه الأنظمة، ما زالت قريبة من نظيرتها التقليدية، مع ظهور فروق أقل بين أسعار البيع والشراء في بعض المقارنات. وهذا يرجح أن بعض المكاسب قد يظهر في كفاءة التعامل والسيولة، قبل أن يظهر في انخفاض واضح لتكلفة الاقتراض.
بالنسبة إلى البنك، يمكن أن تكون القيمة في تبسيط التنفيذ وبناء قدرة قابلة للاستخدام في إصدارات لاحقة. وبالنسبة إلى المستثمر، قد تكون في سهولة الوصول إلى الأداة والتعامل معها. أما أثر ذلك على تمويل المشاريع فيتوقف على اتساع الاستخدام والمنافسة وانتقال مكاسب الكفاءة عبر سلسلة التمويل.
من إصدار منفرد إلى سوق متصلة
تتسع التجارب خارج المنطقة أيضا. ففي سبتمبر 2026 أصدر بنك «هانا» الكوري سندا رقميا بقيمة 100 مليون دولار عبر يوروكلير، مع إتاحة التسوية في اليوم نفسه والاتصال بالبنية التقليدية لأسواق رأس المال. يوضح ذلك كيف تتجه المؤسسات إلى دمج الأدوات الرقمية في قنوات التمويل القائمة.
ويبني أبوظبي الأول إصداره الأخضر على تجربة سنداته الرقمية الأولى في 2025، مع التخطيط لإدراج الإصدار الجديد في سوق أبوظبي للأوراق المالية. تكرار الاستخدام مهم لأنه ينقل التجربة من إثبات إمكانية التنفيذ إلى بناء ممارسة تستطيع المؤسسات والمستثمرون الاعتماد عليها.
وإذا اتسع هذا المسار، فقد تصبح رقمنة السندات جزءا من البنية التي تساعد على تعبئة التمويل للتحول الأخضر. وسيظهر حجم الأثر في تكرار الإصدارات، واتساع قاعدة المستثمرين، وكفاءة تداول السندات، ثم في المشاريع التي تصل إليها الأموال ونتائجها البيئية.




