قد تنبهر بأبراج دبي المضيئة، لكن إحدى أهم مزايا المدينة لا تظهر في الصورة: الوقت الذي تستطيع فيه المنازل والشركات الاعتماد على استمرار الكهرباء.
خلال عام 2025، بلغ متوسط انقطاع الكهرباء في دبي 0.82 دقيقة لكل مشترك، أي نحو 49 ثانية في عام كامل. وأعلنت هيئة كهرباء ومياه دبي «ديوا» أن هذا المستوى هو الأدنى عالميا، متجاوزة رقمها السابق البالغ 0.94 دقيقة في 2024.
وراء الرقم قصة أكبر من بقاء الأضواء مضاءة. فالشركة تحتاج إلى كهرباء تشغل آلاتها وأنظمتها في الموعد الذي خططت له. وكلما انخفض الوقت الضائع بسبب الأعطال، أصبحت قدرتها على الإنتاج وخدمة العملاء أكثر قابلية للتوقع. هذه إحدى الطرق التي تتحول بها جودة البنية التحتية إلى ميزة اقتصادية لدبي.
ماذا تعني 49 ثانية فعليا؟
الرقم متوسط سنوي لكل مشترك على مستوى الشبكة. يجمع المؤشر مدد الانقطاع التي تعرض لها المشتركون، مع احتساب عدد المتأثرين بكل انقطاع، ثم يوزعها على قاعدة المشتركين.
لذلك قد يمر عام على مشترك من دون انقطاع، بينما يتعرض آخر لمدة أطول من المتوسط. والـ49 ثانية لا تصف حادثا توقفت خلاله كهرباء دبي كلها، ولا تعني أن كل منزل عاش التجربة نفسها.
ما تكشفه النتيجة هو مدى ضآلة الوقت المفقود في المتوسط. وتزداد دلالتها عند النظر إلى مسار التحسن: انخفض المؤشر من 6.88 دقيقة في 2012 إلى 0.82 دقيقة في 2025، بتراجع يقارب 88%. أي إن دبي واصلت تقليص زمن الانقطاع عبر سنوات، حتى بعد وصوله إلى أقل من دقيقة.
كيف تتجاوز الكهرباء موقع العطل؟
إنتاج كهرباء كافية خطوة أساسية، لكن وصولها باستمرار يحتاج إلى شبكة تستطيع اكتشاف الخلل وحصر أثره والتعامل معه بسرعة.
ضمن هذا المسار، تنفذ ديوا شبكة ذكية باستثمارات إجمالية مقررة تبلغ 7 مليارات درهم حتى 2035. وتتيح أنظمتها مراقبة الشبكة والتحكم فيها عن بعد، وتحسين إدارة الأحمال، وتقليل الانقطاعات والفقد.
ومن أدواتها نظام الاسترجاع الآلي للشبكة الذكية. عندما يقع عطل، يستطيع النظام عزل الجزء المتأثر وإعادة الخدمة إلى بقية المتعاملين عبر تحويل التغذية إلى دوائر كهربائية مجاورة. وتساعد الأجهزة الذكية وبيانات التشغيل اللحظية على تحديد موقع الخلل بدقة وتسريع التعامل معه.
يشبه ذلك وجود مسار بديل جاهز لحركة المرور عند تعطل جزء من الطريق. يستمر العمل على إصلاح موضع المشكلة، بينما تستعيد الأجزاء السليمة خدمتها. بهذه الآلية، تقل المساحة التي يتسع إليها أثر العطل، ويقصر الوقت الذي يقضيه المتعاملون في انتظار عودة الكهرباء.
ما الذي تكسبه الشركات من هذا الاستقرار؟
كلفة الانقطاع قد تستمر بعد عودة التيار. فخط الإنتاج يحتاج أحيانا إلى إعادة تشغيل، والعمل المتأخر يحتاج إلى تعويض، وقد تفقد الشركة جزءا من إنتاجها أو قدرتها على الوفاء بمواعيدها.
كما أن مواجهة ضعف الإمدادات قد تتطلب إنفاقا إضافيا على مولدات ووقود وصيانة وترتيبات تشغيل بديلة. هذه موارد كان يمكن استخدامها في النشاط الأساسي للشركة. وتدعم أبحاث على شركات في دول نامية العلاقة بين انقطاعات الكهرباء وتراجع الإنتاجية، عبر فقد الإنتاج وانخفاض استغلال القدرة المتاحة.
من هذه العلاقة يمكن فهم القيمة الاقتصادية لإنجاز دبي: شبكة أكثر موثوقية تقلل أحد مصادر التعطل وعدم اليقين أمام الأعمال. ولا يمكن تحويل رقم الـ49 ثانية وحده إلى تقدير بالدرهم لما وفرته المدينة، لكنه يوضح جودة أحد الشروط التي تحتاجها الشركات للعمل بثقة.
وتظل أنظمة الطاقة الاحتياطية ضرورية للأنشطة الحساسة بحسب متطلباتها، حتى مع ارتفاع موثوقية الشبكة العامة.
مدينة تتوسع وشبكة تحافظ على وقتها
بلغ عدد حسابات الكهرباء لدى ديوا أكثر من 1.28 مليون حساب بنهاية 2025. لذلك تمتد قيمة هذا الأداء إلى قاعدة واسعة من المنازل والمنشآت، وليست نتيجة تخص مجموعة محدودة من المباني.
ومع توسع المدينة، تصبح المحافظة على جودة الخدمة جزءا من القدرة على استيعاب نموها. فكل مشروع جديد يحتاج إلى طاقة تصل إليه، وإلى ثقة في أن هذه الطاقة ستساند تشغيله اليومي.
لهذا تستحق الـ49 ثانية الانتباه. إنها نتيجة صغيرة في وحدة القياس، لكنها تكشف عن عمل طويل في الاستثمار والمراقبة وإدارة الأعطال. وبالنسبة إلى دبي، تضاف هذه الموثوقية إلى مقومات جاذبيتها الاقتصادية: أن يجد صاحب المشروع بنية تحتية تساعده على الالتزام بوعوده، وأن يواصل السكان يومهم من دون أن يشغلهم سؤال الكهرباء.




