توسّع دبي موقعها في الاقتصاد العالمي عبر قطاعات تستطيع إنتاج المعرفة، وإدارة رأس المال، وتقديم خدمات تحتاجها الشركات والأسواق. وفي النصف الأول من 2026، برز القطاع المالي والتأمين في مقدمة هذه القوة، بنمو حقيقي بلغ 8.8%، لترتفع قيمته المضافة إلى 65.9 مليار درهم، ويصبح مسؤولًا عن 14% من الناتج المحلي للإمارة.
تمنح هذه الأرقام معنى عمليًا لطموح دبي: تعميق دورها في الأعمال التي تُدار فيها الاستثمارات وتُموَّل المشروعات وتُطوَّر الحلول الرقمية. وكلما اتسعت هذه الأنشطة، اتسعت معها فرص بناء شركات وخبرات وخدمات تتجاوز حدود السوق المحلية.
المال يتحول إلى قوة إنتاج
أضافت الأنشطة المالية والتأمين نحو 5.3 مليار درهم إلى قيمتها المضافة الحقيقية مقارنة بالنصف الأول من 2025. وهذه قيمة اقتصادية أنتجها القطاع، وليست حجم الأموال المودعة في البنوك أو الأصول التي يديرها المستثمرون. أهميتها أنها تكشف اتساع النشاط نفسه، بعد استبعاد أثر تغير الأسعار.
وتظهر ملامح هذا التوسع في مركز دبي المالي العالمي، الذي تجاوز عدد شركاته النشطة المسجلة 10 آلاف شركة بنهاية يونيو 2026، بزيادة سنوية بلغت 30%. ووصل عدد شركات الخدمات المالية الخاضعة للتنظيم إلى 1,134 شركة، بنمو 16%.
كل مؤسسة جديدة تحتاج إلى منظومة تعمل حولها: محامين ومدققين ومختصين بالامتثال والتقنية وإدارة المخاطر. وبذلك يفتح توسع القطاع المالي مجالًا لنشاط مهني أوسع، ويزيد قيمة المهارات المتخصصة داخل المدينة. ولا تعني أعداد الشركات وحدها قياس مساهمة المركز في الناتج، لكنها تقدم شاهدًا على اتساع قاعدة الأعمال.
وتمنح هذه الكثافة دبي ميزة تراكمية. فوجود المستثمرين ومديري الأصول والخدمات القانونية والتقنية في منظومة واحدة يتيح للشركات الوصول إلى شركاء وخبرات متعددة، ويجعل تأسيس الأعمال نقطة بداية لتوسّع أكبر.
حين تجتمع المعرفة ورأس المال
داخل مركز دبي المالي العالمي، ارتفع عدد شركات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المالية والابتكار إلى 1,933 شركة في النصف الأول، بنمو سنوي بلغ 39%. وهي فئة أوسع من شركات الذكاء الاصطناعي وحدها، لكنها توضح اتجاهًا مهمًا: التقارب بين المال والتقنية أصبح جزءًا متناميًا من قاعدة الأعمال.
بالنسبة إلى شركة تطور خدمة مدفوعات أو أداة لإدارة المخاطر، يتيح القرب من المؤسسات المالية فرصًا لاختبار حلولها والوصول إلى عملاء محتملين. وبالنسبة إلى المؤسسات، يفتح وجود هذه الشركات خيارات لتطوير الخدمات ورفع الكفاءة. قيمة هذا التقارب في قدرته على تحويل الفكرة إلى منتج يجد سوقًا.
ويمتد التوسع إلى قطاعات أخرى. فقد نما نشاط الصحة والعمل الاجتماعي 14.3% بالقيمة الحقيقية، بينما ارتفع نشاط المعلومات والاتصالات 2.7%، والتشييد 2.4%. وتكشف هذه الحركة عن تعدد المجالات التي تستطيع دبي تطويرها، من الخدمات المتخصصة إلى البنية الرقمية والعمرانية التي تحتاجها الأعمال والسكان.
قاعدة أوسع لطموح أكبر
بلغ الناتج المحلي الحقيقي لدبي 473 مليار درهم في النصف الأول من 2026، مقابل 484 مليارًا في الفترة المقارنة الواردة في البيان، بانخفاض 2.3%، بينما ارتفع الناتج بالأسعار الجارية 0.2% إلى نحو 505 مليارات. لذلك فإن قوة القطاعات النامية تعبر عن قدرتها على دعم الاقتصاد وتنويع مصادره، ولا تعني أن جميع أنشطته تحركت بالوتيرة نفسها.
وتضع أجندة دبي الاقتصادية «D33» هذا البناء ضمن طموح طويل المدى، يستهدف مضاعفة حجم الاقتصاد خلال العقد المنتهي في 2033. ويتطلب تحقيقه توسيع النشاط القائم، وفتح أسواق للأعمال، وزيادة ما تستطيع الشركات والكوادر إنتاجه من قيمة.
تملك دبي في نمو المال والتقنية والخدمات المتخصصة أساسًا مهمًا لهذا المسار. والفرصة أمامها هي تعميق الروابط بينها: تمويل يساعد شركة على التوسع، وتقنية ترفع كفاءتها، ومهارات تمنحها منتجًا أكثر تنافسية. بهذه الروابط، يصبح تنوع الاقتصاد قدرة يومية على إنشاء الأعمال وتطويرها، وتتحول جاذبية المدينة إلى فرص إنتاج واستثمار تتجدد.




