يمكن لمصر أن تحقق عائدًا من غاز اكتُشف خارج مياهها، حتى وهي تستورد لتلبية احتياجاتها. فالمشروع الذي يربط حقل «كرونوس» القبرصي بمنشآتها يمنحها دورًا في معالجة الغاز وإسالته وتصديره، ويمنح أصحاب الحقل طريقًا إلى السوق باستخدام أصول قائمة.
تقوم الصفقة على تكامل واضح: قبرص لديها الغاز، ومصر لديها منشآت يحتاج إليها الغاز حتى يصل إلى المشترين. وبذلك تكتسب البنية التحتية المصرية فرصة للعمل على موارد إقليمية، إلى جانب دورها في خدمة الإنتاج المحلي.
وخلال لقاء وزير البترول المصري كريم بدوي ونظيره القبرصي مايكل داميانوس في أثينا، في 7 أكتوبر 2026، تصدر تسريع الربط جدول المباحثات. لكن التطور الحاسم سبق الاجتماع: اتخذت إيني وتوتال إنرجيز قرار الاستثمار النهائي في «كرونوس» في 28 يوليو، مع استهداف بدء الإنتاج عام 2028.
منشآت جاهزة تختصر طريق الاستثمار
الخطة المعلنة تنقل غاز «كرونوس» إلى تسهيلات حقل ظهر في مصر لمعالجته، ثم إلى محطة دمياط لإسالته وشحنه، خصوصًا إلى أوروبا. ويستهدف المشروع إنتاجًا مستقرًا يقارب 500 مليون قدم مكعبة يوميًا، يعادل نحو 2.8 مليون طن من الغاز المسال سنويًا.
بالنسبة إلى مطوري الحقل، يتيح استخدام المنشآت القائمة تجنب بناء سلسلة معالجة وإسالة مستقلة بالكامل. وتقول إيني إن الجمع بين المنشآت الجديدة والموجودة يحقق وفورات في التكلفة ويسرّع الوصول إلى السوق.
هذه نقطة مؤثرة في قرار الاستثمار. فالغاز الموجود تحت البحر لا يولد إيرادًا قبل حفر الآبار ومد خطوط النقل وتأمين المعالجة والمشتري. وكل جزء يمكن استخدامه من منشأة قائمة يقلل ما يحتاج المشروع إلى إنشائه من الصفر، وإن ظلت أعمال الربط والتطوير تتطلب استثمارات جديدة.
ويتضمن تطوير «كرونوس» أربع آبار بحرية، بينما تغطي الاتفاقات التجارية استخدام تسهيلات ظهر وعبور الغاز داخل مصر وإسالته في دمياط وبيعه. أي أن المشروع يجمع بين تنمية حقل جديد والاستفادة من استثمارات سابقة في بلد آخر.
أين تتولد مكاسب مصر؟
تفتح هذه الصيغة فرصة لتحقيق عائد من خدمات النقل والمعالجة والإسالة، وزيادة الاستفادة من المنشآت المرتبطة بالمشروع. وتزداد قيمة هذه الأصول عندما تجد موردًا إضافيًا يغذيها، بدل ارتباط نشاطها فقط بالكميات المتاحة من الحقول المصرية.
لكن قيمة الشحنات المصدرة لا تساوي دخل مصر منها. فإيني وتوتال إنرجيز تتقاسمان تسويق الغاز المسال المتوقع بالتساوي، بواقع نحو 1.4 مليون طن سنويًا لكل شركة. أما العائد الذي يعود إلى الأطراف المصرية فيتوقف على شروط استخدام المنشآت وترتيبات الملكية والتكاليف.
ولم تتضمن البيانات المعلنة التي عرضت قرار الاستثمار تفصيلًا كافيًا لتعريفات الخدمات أو صافي العائد المصري. لذلك لا يمكن تحويل حجم الإنتاج المتوقع إلى رقم موثوق لما سيدخل الخزانة أو ما ستربحه الشركات المصرية.
المكسب المحتمل الأوسع هو تثبيت موقع المنشآت المصرية داخل سلسلة التوريد. فكل حقل يرتبط بها بعقود واستثمارات يمنحها قاعدة أعمال تتجاوز حدود الإنتاج المحلي، مع بقاء نجاح هذا الدور مرتبطًا بكفاءة التشغيل واستقرار الإمدادات.
تصدير الغاز لا يعني انتهاء الاستيراد
تبدو عودة التصدير متناقضة مع حاجة مصر إلى شراء الغاز، لكن تشغيل منشأة إسالة لحساب غاز إقليمي يختلف عن امتلاك فائض محلي يكفي الاستهلاك والتصدير معًا.
وقد ظهر هذا التعايش بالفعل. فبعد تحول مصر إلى مستورد صافٍ للغاز في النصف الثاني من 2024، صدّرت ثماني شحنات غاز مسال خلال شتاء 2025/2026، بإجمالي يقارب مليار متر مكعب، بالتزامن مع واردات قياسية من الغاز المسال.
لذلك لا يكفي خروج شحنة من دمياط للحكم على ميزان الطاقة المصري. ما يحدد الحاجة إلى الاستيراد هو الإنتاج المحلي والاستهلاك والكميات المتاحة للسوق الداخلية وشروط التعاقد عليها. أما المشروع المعلن لكرونوس فيستهدف أساسًا الوصول إلى أسواق التصدير.
وقد يضيف تشغيل المنشآت عائدًا ونشاطًا تجاريًا، لكنه لا يثبت بمفرده أن فاتورة الاستيراد ستختفي، أو أن الغاز القبرصي كله سيصبح متاحًا لمحطات الكهرباء والمصانع المصرية.
كرونوس يتقدم وأفروديت ينتظر
لا تتحرك جميع الحقول القبرصية بالسرعة نفسها. فكرونوس تجاوز قرار الاستثمار النهائي، بينما ظل «أفروديت» في مرحلة استكمال الترتيبات الفنية والتجارية والقانونية.
وفي 8 أكتوبر، بحث بدوي مع مسؤولي شيفرون الخطوات المتبقية لربط أفروديت بمصر، تمهيدًا لقرار شراء المعدات طويلة التوريد، ثم قرار الاستثمار النهائي. ولهذا لا يجوز جمع الحقلين باعتبارهما إمدادات مؤكدة تبدأ في موعد واحد.
وسيكون الاختبار التالي لكرونوس هو تنفيذ الآبار وخط الربط وتجهيز المنشآت وفق الموعد المستهدف في 2028. أما أفروديت، فالمؤشر الأهم هو انتقاله من استكمال الاتفاقات إلى الالتزام الاستثماري.
إذا تحققت هذه الخطوات، يتسع دور مصر في تجارة الغاز عبر تقديم خدمات تحتاج إليها اكتشافات الجوار. وعندها يصبح قياس النجاح أكثر دقة: حجم الغاز الذي تعالجه المنشآت، والعائد الصافي من تشغيلها، بالتوازي مع تحسن قدرة الإنتاج المحلي على تلبية الطلب.




