لم تعد قيمة الموقع التجاري تُقاس فقط بعدد السفن التي تمر أمامه. عندما تضطرب طرق الشحن، تصبح القدرة على الاحتفاظ بالبضائع ثم إرسالها إلى العميل في الموعد جزءًا مما تشتريه الشركات. وهذه فرصة مصر الجديدة: أن تحصل على نصيب أكبر من خدمات التجارة، عبر تخزين السلع وإدارة توزيعها إلى جانب عبورها.

قال وزير الخارجية والتعاون الدولي المصري بدر عبد العاطي إن دولًا خليجية وآسيوية تبدي اهتمامًا متزايدًا بإقامة مراكز للتخزين وإعادة التصدير في مصر، خصوصًا بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بعد اضطرابات الملاحة المرتبطة بحرب إيران. وخص البتروكيماويات بفرص واسعة، لكنه لم يعلن أسماء الدول أو قيم الاستثمارات المحتملة. الاهتمام معلن، أما حجمه التجاري فما زال يحتاج إلى عقود وسعات محجوزة.

حين يصبح الانتظار أغلى من التخزين

تتحمل الشركة التي تحتفظ بمخزون إضافي تكلفة واضحة: ثمن البضاعة المجمدة، وإيجار المستودع، والتأمين والمناولة. لكنها تقارن هذه الفاتورة بما قد تدفعه إذا تأخرت شحنة ضرورية، من توقف الإنتاج إلى فقدان عميل أو اللجوء إلى نقل عاجل أعلى تكلفة.

لذلك قد تقبل الشركة وضع جزء من مخزونها بالقرب من أسواق البيع، حتى إذا زادت تكلفة التخزين. فهي تشتري وقتًا تستطيع خلاله مواصلة التسليم بينما تبحث عن شحنة أخرى أو تنتظر انتظام الملاحة. وكلما أصبحت مواعيد الوصول أقل قابلية للتوقع، زادت قيمة هذا الوقت.

تمنح هذه الحسابات مصر فرصة لخدمة شركات تريد توزيع بضائعها في أكثر من سوق. فبدل إرسال كل طلبية من بلد الإنتاج مباشرة، يمكن الاحتفاظ بمخزون إقليمي وتقسيمه لاحقًا وفق الطلب. نجاح النموذج يتوقف على أن يكون الوصول إلى المستودع والخروج منه أسرع وأقل تكلفة من البدائل المتاحة، بعد احتساب جميع الرسوم.

دخل يتكرر بعد مرور السفينة

توجد بالفعل خطوات عملية تتجاوز التصريحات. ففي يوليو 2026 أطلقت «دي بي ورلد» مركزًا للتوزيع اللوجستي في السخنة، مع توقيع اتفاقات لأول ثلاثة عملاء دوليين. يجمع المركز التخزين وإدارة المخزون وتجهيز الطلبات والتنسيق الجمركي والنقل، ويتيح للشركات الاحتفاظ بملكية البضاعة حتى توزيعها النهائي.

وتشمل الاستخدامات المعلنة خدمة موزع للسلع الاستهلاكية يعمل في ثماني أسواق بالسعودية والمشرق والقرن الأفريقي، وشركة ألمانية لمستلزمات البنية الرقمية تريد تعزيز التوزيع وإعادة التصدير. هذه أمثلة على إيراد يتولد من إدارة البضاعة ومناولتها وتجهيزها، وليس من وصول السفينة وحده.

وسبق ذلك توقيع اتفاقين في أغسطس 2025 لإقامة ساحتي حاويات تحت الرقابة الجمركية في القنطرة غرب والسخنة، باستثمارات معلنة تبلغ 4.2 مليون دولار ومساحة إجمالية 100 ألف متر مربع. يستهدف المشروع التخزين والمناولة والإصلاح. وهو دليل على الاستثمار في الخدمات المحيطة بالموانئ، مع بقاء توقيع الاتفاق مختلفًا عن إثبات اكتمال التشغيل.

إذا توسع هذا النشاط، تمتد الفرصة إلى مشغلي المستودعات والنقل والتعبئة والصيانة وإدارة المخزون. كما قد تستفيد المصانع من اقتراب المواد اللازمة للإنتاج. لكن قيمة البضائع المارة أو المخزنة لا تساوي إيرادًا لمصر؛ ما يدخل الاقتصاد هو المقابل الذي تحصل عليه المنشآت والعاملون لقاء الخدمات والعمليات المحلية.

البتروكيماويات تحتاج أكثر من مساحة فارغة

يكتسب تخزين البتروكيماويات أهمية لأن تغيير المورد ليس قرارًا بسيطًا. يحتفظ منتجو الشرق الأوسط بمزايا في تكلفة المواد الأولية وحجم الإنتاج، وكانت المنطقة مصدرًا لأكثر من 40% من صادرات البولي إيثيلين العالمية في 2025. لذلك قد يجمع المشترون بين استمرار الشراء من المنطقة وتنويع مصادر الإمداد ومواقع المخزون، بدل استبدال الموردين بالكامل.

بالنسبة إلى مصر، يفتح ذلك احتمال تقديم خدمة تخزين وتوزيع مرتبطة بالإنتاج القائم في المنطقة. إلا أن السعات ليست قابلة للتبادل تلقائيًا: تخزين السوائل الكيميائية يحتاج منشآت ومناولة ومعايير سلامة تناسب المنتج، ولا يمكن اعتبار كل مستودع حاويات سعة جاهزة للبتروكيماويات.

وتحتاج جدوى الاستثمار إلى طلب يمكن الاعتماد عليه لسنوات. فقد تشجع أزمة الشحن الشركات على حجز مخزون إضافي الآن، بينما يعيد هدوء الطرق البحرية حسابات التكلفة لاحقًا. العقود طويلة الأجل وتنوع العملاء أهم لاستمرار المشروع من امتلاء مؤقت خلال أزمة.

المخزون لا يفتح مضيقًا

يبقى حد جغرافي أساسي: البضاعة المنتجة داخل الخليج لا تصل إلى مصر بمجرد إنشاء مستودع فيها. إذا كان طريق خروجها يمر بهرمز، فهي تحتاج أولًا إلى اجتيازه أو إلى مسار بديل صالح لنوعها وكميتها. والمخزون الموجود مسبقًا خارج منطقة التعطل يمنح مهلة، لكنه ينفد إن تعذر تعويضه.

كذلك تتأثر جدوى المركز بمسار الشحنة اللاحقة. خدمة سوق على المتوسط تختلف عن إعادة شحنها إلى وجهة يتطلب بلوغها المرور بممرات مضطربة. القرب من قناة السويس ميزة، لكنه لا يعفي المستثمر من فحص كل رحلة وتكلفتها ومخاطرها.

ما سيحدد حجم التحول هو ظهور عقود تخزين فعلية، ومواعيد تشغيل، وعملاء يستخدمون مصر للتوزيع بصورة منتظمة. عندها يمكن قياس ما إذا كانت البلاد تكسب دورًا تجاريًا مستمرًا، أم تستضيف مخزونًا طارئًا يغادر بانتهاء الاضطراب.