أغلى ساعة في منظومة الكهرباء قد تفرض بناء محطة تعمل ساعات قليلة فقط. فالشبكة مطالبة بتلبية أعلى طلب متوقع، حتى لو بقي جزء من قدرتها غير مستخدم بقية اليوم. وعندما تختلف مواعيد هذا الضغط بين بلدين، تصبح الكهرباء المتاحة لدى أحدهما فرصة لتخفيف كلفة الذروة لدى الآخر.

هذه هي الفكرة الاقتصادية وراء الربط الكهربائي بين مصر والسعودية. فالمشروع يتيح تبادل قدرة تصل إلى 3000 ميجاوات، ويمنح كل شبكة مجالًا أوسع للاستفادة من المحطات القائمة، بدل أن تواجه كل زيادة في الطلب بمواردها المحلية وحدها.

وبحث وزير الكهرباء المصري محمود عصمت ووزير الطاقة السعودي الأمير عبدالعزيز بن سلمان في الرياض ترتيبات التدشين خلال الأسابيع المقبلة، بعد استكمال تجارب المرحلة الثانية البالغة 1500 ميجاوات. وحتى الإعلان المشترك عن اكتمال الاختبارات وبدء التشغيل، تظل القدرة الكاملة هدفًا للتشغيل المرتقب، وليست دليلًا على وجود تبادل تجاري مستمر بهذا الحجم.

قيمة المحطة تتغير مع الساعة

قد تمتلك دولة قدرة توليد كبيرة، لكنها لا تحتاج إليها كلها في كل وقت. وفي المقابل، قد تضطر شبكة مجاورة إلى تشغيل وحدات أعلى تكلفة لتلبية طلب يرتفع لديها في تلك الساعة. يفتح الربط بابًا لشراء كهرباء متاحة من الجار عندما تكون أقل كلفة من البديل المحلي.

المكسب هنا مزدوج: يحصل البائع على عائد من قدرة كانت أقل استخدامًا، ويجد المشتري بديلًا يمكن أن يقلل تكلفة تلبية الطلب. ويتوقف تحقق هذا المكسب على تكلفة التوليد وسعر التبادل وفاقد النقل، إلى جانب توافر الكهرباء فعلًا عند الحاجة.

لهذا لا تعني عبارة «فائض الكهرباء» أن الطاقة مجانية أو أن هناك فائضًا ثابتًا طوال العام. المقصود فرصة تتغير مع ساعات الاستهلاك، وتوافر الوقود، وأعمال الصيانة، وإنتاج الشمس والرياح. وقد يصبح البلد المصدّر مستوردًا في وقت آخر، بحسب ظروف التشغيل.

ويتيح تصميم المشروع تدفق الكهرباء في اتجاهات متعددة بين محطاته الثلاث في بدر شرق القاهرة، وتبوك وشرق المدينة المنورة. هذه المرونة تجعل الاستفادة من اختلاف الأحمال ممكنة في الاتجاهين، بدل حصر العلاقة في بائع دائم ومشترٍ دائم.

استثمار واحد يوسع خيارات شبكتين

يربط المشروع المحطات عبر خطوط هوائية وكابلات بحرية، ويستخدم التيار المستمر عالي الجهد لنقل الكهرباء والتحكم في تدفقها بين الشبكتين. لكن قيمته لا تُقاس بطول الخطوط وحده، بل بمقدار ما يتيحه من تشغيل أفضل للأصول الكهربائية.

فالتبادل قد يقلل الحاجة إلى تشغيل وحدات أعلى استهلاكًا للوقود، ويمنح الشبكة مصدرًا إضافيًا للدعم عند تعطل بعض قدراتها المحلية. وعلى المدى الأطول، يمكن للربط الموثوق أن يخفف الحاجة إلى تكرار بعض الاستثمارات المخصصة للذروة والاحتياط، إذا أُخذت الإمدادات المتاحة عبر الحدود في حسابات التخطيط.

وهذا لا يعني الاستغناء عن المحطات المحلية أو القدرة الاحتياطية. فقد يتزامن ارتفاع الطلب في البلدين، أو تنخفض الكهرباء المتاحة للتصدير، أو يتعطل خط الربط نفسه. لذلك تتحدد قيمة الاعتماد عليه بموثوقية الإمدادات وشروط التعاقد، وليس بقدرته الاسمية فقط.

والـ3000 ميجاوات تعبر عن قدرة التبادل التي صُمم المشروع لإتاحتها، لا عن كمية كهرباء مضمونة يوميًا أو سنويًا. قياس العائد الفعلي يحتاج معرفة الطاقة التي انتقلت، والساعات التي استُخدم فيها الخط، وتكلفة الكهرباء التي حلّت محلها.

سوق أوسع للشمس والرياح

تضيف الطاقة المتجددة سببًا آخر للربط. فالإنتاج الشمسي يرتفع وينخفض مع النهار، وتتغير طاقة الرياح مع الطقس، بينما يتحرك الاستهلاك وفق نمط مختلف. وكلما اتسعت الشبكة المتاحة، زادت فرص وصول الإنتاج إلى طلب قادر على استيعابه.

بالنسبة إلى مشروعات التوليد، يمكن لاتساع السوق أن يفتح منفذًا إضافيًا للكهرباء في أوقات انخفاض الطلب المحلي. وبالنسبة إلى مشتري الطاقة، يوفر تنوع المصادر خيارات أوسع بدل الاعتماد على مجموعة واحدة من المحطات.

لكن الكهرباء العابرة للحدود لا تصبح نظيفة لمجرد عبورها. خفض الوقود والانبعاثات يتوقف على مصدر التوليد الذي يزداد تشغيله، والمصدر الذي يُستغنى عنه. ويكون المكسب البيئي أوضح عندما تحل كهرباء متجددة أو أقل استهلاكًا للوقود محل إنتاج أعلى انبعاثًا.

الكابل يربط الشبكات، والعقود تصنع التجارة

يمكن للمشروع أن يدعم بناء سوق عربية أوسع للكهرباء، لكن البنية التحتية تحتاج قواعد تشغيل وتسعير وتسوية مالية حتى تتحول إلى تجارة منتظمة. من يحق له استخدام الخط؟ وكيف تتوزع سعته؟ وما شروط الإمداد عند ارتفاع الطلب لدى الطرفين؟

هذه القواعد تحدد إن كان الربط سيبقى أداة للمساندة عند الحاجة، أم يصبح مسارًا لتبادل تجاري يوجه الإنتاج إلى الاستخدام الأعلى قيمة. كما تؤثر في قدرة المستثمرين على احتساب إيرادات التصدير ضمن جدوى محطات جديدة.

ولا ينتقل أي وفر تلقائيًا إلى فاتورة المنزل أو المصنع. فذلك يرتبط بتعرفة البيع المحلية، وتكلفة الشبكات، والدعم، وكيفية توزيع الوفر داخل منظومة الكهرباء.

بعد التدشين، سيكون الاختبار الاقتصادي في انتظام التبادل وحجمه وتكلفته. فالنجاح يعني أن تتمكن مصر والسعودية من خدمة الطلب بأصول ووقود يُستخدمان بكفاءة أكبر، وأن تتحول الكهرباء المتاحة في ساعة هادئة إلى مورد ذي قيمة في ساعة مزدحمة.