حين تعلن إعمار عن مبيعات عقارية، فإن جزءًا من أثرها المالي يمتد إلى سنوات لاحقة. فالعقد يسبق اكتمال البناء، والأقساط تصل على مراحل، والإيرادات تظهر مع تنفيذ الالتزامات. لذلك تكشف محفظة الوحدات المبيعة التي ما زالت قيد الإنجاز عن جانب من مستقبل الشركة، إلى جانب ما تقوله أرباحها الحالية.
في 15 أكتوبر 2026، كشف محمد العبار، المؤسس والعضو المنتدب لإعمار العقارية، أن رصيد أعمال الشركة المتراكمة بلغ نحو 180 مليار درهم. قيمة هذا الرقم أنه يعبر عن أعمال متعاقد عليها تنتظر التحول إلى إيرادات، ويمنح الشركة أساسًا لتخطيط الإنشاءات والتسليمات المقبلة.
وتكتمل الصورة بأصول تعمل بالفعل، من المراكز التجارية إلى الفنادق. فبينما تبني إعمار وحدات باعتها مسبقًا، تولد وجهاتها القائمة دخلًا من التأجير والتشغيل. الجمع بين المسارين يفسر كيف تستطيع شركة اشتهرت ببرج خليفة ودبي مول بناء نشاط يتجاوز بيع العقار مرة واحدة.
المبيعات تسبق الإيرادات
بلغ رصيد الإيرادات المتراكمة لإعمار 155 مليار درهم بنهاية 2025، ثم وصل إلى 164.9 مليار درهم في نهاية يونيو 2026. ويأتي رقم العبار الأحدث ليشير إلى استمرار اتساع الأعمال المتعاقد عليها، مع بقاء التفاصيل الدقيقة لتوزيعها وتوقيت تنفيذها من اختصاص الإفصاحات المالية.
هذا الرصيد ليس أرباحًا صافية، ولا أموالًا موجودة بالكامل في الحسابات المصرفية. إنه قيمة مبيعات لم تُسجل بعد ضمن الإيرادات، ويتحول إليها مع تقدم المشروعات وفق شروط العقود والمعالجة المحاسبية. وتبقى تكاليف الأرض والبناء والتشغيل جزءًا من الحساب قبل الوصول إلى الربح.
في 2025، سجلت إعمار مبيعات عقارية بقيمة 80.4 مليار درهم، مقابل إيرادات للمجموعة بلغت 49.6 مليار درهم. اختلاف الرقمين طبيعي، لأن مبيعات السنة وإيراداتها لا تتطابقان زمنيًا، ولأن إيرادات المجموعة تتضمن أنشطة أخرى.
وهذا يجعل قوة البيع مهمة للمستقبل، بينما يحدد التنفيذ مقدار ما يظهر في النتائج الحالية. يستطيع المطور أن يبيع اليوم، ثم يوزع الأثر المحاسبي لهذه العقود على فترات لاحقة، بدل الاعتماد على إطلاق جديد لتوليد كل درهم من الإيرادات.
لماذا يهم تحصيل الأقساط؟
أشار العبار إلى أن نسبة تحصيل المستحقات بلغت 98% خلال العام الماضي، وعادت إلى مستوياتها السابقة بعد تراجع مؤقت خلال التوترات الإقليمية. انتظام الدفع يمنح العقود الموقعة وزنًا عمليًا، لأنه يوضح استمرار التزام المشترين بالأقساط المستحقة.
لكن نسبة 98% لا تعني تحصيل 98% من رصيد الأعمال البالغ 180 مليار درهم. الأول مؤشر لتحصيل المستحقات، والثاني رصيد مبيعات ينتظر الاعتراف به إيرادًا. الخلط بينهما يحول مؤشرًا تشغيليًا مهمًا إلى تقدير غير صحيح للسيولة.
ولإدارة هذا الفاصل بين البيع والتنفيذ والتحصيل، شدد العبار على تكوين احتياطيات نقدية في فترات النمو، وعلى استخدام توقعات مالية تمتد خمس سنوات مع مراجعتها كل ثلاثة أشهر. فالتخطيط طويل الأجل يمنح المشروعات اتجاهًا، والمراجعة المتكررة تسمح بضبط الإنفاق وسرعة التوسع.
وتظهر أهمية ذلك مع اتساع حجم التنفيذ. ففي النصف الأول من 2026، كان لدى إعمار نحو 67.1 ألف وحدة قيد التطوير، وكانت 92% من الوحدات المطروحة قد بيعت عبر ست دول رئيسية. هذه محفظة كبيرة من التزامات البناء والتسليم، تجعل إدارة المواقع والمقاولين والمشتريات جزءًا أساسيًا من تحويل قوة المبيعات إلى نتائج مالية.
دبي مول يواصل العمل بعد البيع
تملك إعمار مصدرًا آخر للدخل لا يتطلب بيع وحدة جديدة في كل مرة. فالمراكز التجارية والمساحات المؤجرة والفنادق تستمر في توليد الإيرادات ما دامت تعمل وتستقطب المستأجرين والزوار.
في النصف الأول من 2026، حققت أنشطة المراكز التجارية والتجزئة والتأجير التجاري إيرادات قدرها 3.5 مليار درهم، بزيادة 9%، مع إشغال يقارب 98% للمحفظة. وبلغت إيرادات الضيافة والترفيه 1.6 مليار درهم خلال الفترة نفسها.
وفي 2025، قدمت الأنشطة ذات الدخل المتكرر 32% من أرباح المجموعة قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك. لذلك تمثل الأصول التشغيلية ركيزة مالية قائمة بذاتها، تتكامل مع أرباح تطوير العقارات.
والدلالة هنا أن نجاح الوجهة يستمر في خدمة الشركة بعد اكتمال البناء. فالمتجر يدفع إيجارًا، والفندق يستقبل نزلاء، والمرافق تجذب حركة يومية. وكل نشاط منها يربط عائد الأصل باستخدامه الفعلي، إلى جانب قيمة العقارات المبيعة حوله.
المجتمع المتكامل يطيل عمر الأعمال
يربط هذا النموذج بين شكل مشروعات إعمار وطريقة كسب المال منها. فالمجمع السكني الذي يضم مرافق وخدمات ووجهات تجارية يسمح بإطلاق مراحل جديدة على امتداد سنوات، مع استمرار تشغيل الأصول القائمة وخدمة السكان.
وأوضح العبار أن بناء المجتمعات المتكاملة قد يستغرق من 10 إلى 15 عامًا. خلال هذه المدة، تصبح جودة التنفيذ والصيانة والخدمات عناصر مؤثرة في جاذبية المراحل التالية، وفي قدرة الشركة على الحفاظ على ثقة المشترين.
ومن ثم، تبدو محفظة المبيعات الكبيرة والدخل المتكرر عنصرين يمنحان إعمار مساحة أوسع للتخطيط. الأول يوفر أعمالًا مستقبلية متعاقدًا عليها، والثاني يولد إيرادات من أصول تعمل اليوم.
وسيظهر الأثر المالي للـ180 مليار درهم تدريجيًا في تقدم الإنشاءات والتحصيلات والإيرادات وهوامش الربح. فكل مرحلة تنجزها الشركة تنقل جزءًا من رصيد العقود إلى نتائج فعلية، وتضيف إلى سجلها مشروعًا يمكن أن يساعد في بيع المرحلة التالية.




