كلما حاولت حكومة منع ارتفاع سعر الوقود، انتقل جزء من الفاتورة من جيب المستهلك إلى خزانة الدولة. لكن الخزانة نفسها تواجه الآن تكلفة أعلى للاقتراض. ومع استمرار صدمة الطاقة، تصبح حماية القدرة الشرائية قرارا يزاحم الإنفاق على المدارس والمستشفيات والاستثمار، وقد يترك وراءه دينا يستمر بعد انحسار الغلاء.

هذه المعضلة ترافق وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية إلى الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدولي في بانكوك، من 12 إلى 18 أكتوبر 2026. فالاجتماعات تأتي في وقت تتداخل فيه كلفة الطاقة المرتفعة مع أعباء الدين، ويضيق فيه هامش التدخل أمام الدول التي تحتاج المساعدة أكثر من غيرها.

الفاتورة لم تختف

تثبيت أسعار الوقود أو خفض الضرائب عليها يمنح الأسر والشركات مهلة لالتقاط الأنفاس. لكنه لا يخفض بالضرورة تكلفة شراء النفط والغاز من الخارج. في الدول المستوردة، يظل الفارق مستحقا، وتتحمله الموازنة أو شركات الطاقة أو الموردون.

وإذا أُلزمت شركة طاقة عامة بالبيع بأقل من تكلفتها، فقد تبدو الموازنة أقل تضررا في البداية، بينما تتراكم الخسائر داخل الشركة. وحين تحتاج إلى دعم حكومي أو ضمانات، تعود الفاتورة إلى المال العام من باب آخر. لذلك قد يتأخر ظهور تكلفة الحماية، من دون أن تزول.

كان هذا المنطق قابلا للاستمرار لفترة محدودة، على أمل تراجع الأسعار سريعا. لكن استمرار الصدمة يغير الحساب. كل شهر إضافي من الدعم العام يستهلك موارد كان يمكن تخصيصها لمواجهة أزمة أخرى، ويجعل إنهاء الإجراء أصعب سياسيا بعدما اعتادت عليه الأسر والشركات.

الديون تحدد من يستطيع الحماية

ليست المشكلة في حجم الدعم وحده، بل في السعر الذي تدفعه الحكومة لتمويله. فالاقتراض الجديد لتغطية العجز يصبح أغلى حين ترتفع الفائدة، وكذلك استبدال الديون التي يحين أجل سدادها. ولا تنتقل الزيادة إلى كامل الدين دفعة واحدة، لكن أثرها يتسع مع تجديد التمويل.

حذرت كريستالينا غورغييفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، قبيل الاجتماعات من تزامن ارتفاع كلفة الطاقة وخدمة الدين، ودعت الدول الأكثر مديونية إلى خطط مالية موثوقة. فضعف النمو يجعل انتظار زيادة الإيرادات وحدها حلا أقل اطمئنانا، بينما قد يضغط التشديد النقدي الضروري لاحتواء التضخم على النشاط الاقتصادي.

ويقدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن الدولة النامية الواقعة عند وسيط التوزيع تنفق نحو 9.5% من إيراداتها الحكومية على الفوائد، وهي أعلى نسبة في 25 عاما. هذا رقم للفوائد وحدها، وليس لإجمالي أقساط الديون، كما أنه لا يمثل وضع كل دولة نامية.

وتظهر استجابات أزمة الطاقة اتجاها متدرجا نحو السماح بانتقال الزيادات السعرية إلى المستهلكين وإدارة الطلب، مع تراجع الاعتماد على امتصاصها ماليا. كما ترتبط المديونية الأعلى بضعف قدرة الحكومات على عزل الداخل عن الصدمة. ليست هذه علاقة تعني أن كل دولة مدينة ستخفض الدعم، لكنها توضح لماذا تختلف الحماية حتى حين يكون مصدر الغلاء واحدا.

انسحاب الدعم له ثمن أيضا

وقف الحماية بسرعة ليس قرارا محاسبيا بسيطا. الأسر الأقل دخلا تنفق نسبة أكبر من دخلها على الغذاء والطاقة، ولديها مدخرات أقل لامتصاص الزيادات. وعندما ترتفع فاتورة النقل والطعام والكهرباء معا، يصبح تقليص استهلاك آخر أو تأجيل احتياجات أساسية وسيلة للتكيف.

ويقدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن تمرير ارتفاعات أسعار الغذاء والطاقة بالكامل كان سيدفع نحو 130 مليون شخص إضافي إلى الفقر عالميا هذا العام. الرقم تقدير لسيناريو غياب الحماية الكافية، وليس إحصاء لأشخاص سقطوا بالفعل في الفقر.

المأزق إذن أن استمرار الحماية الشاملة يضغط على الموازنة، وانسحابها المفاجئ يضغط على الناس. وقد ينتهي تأجيل الاختيار إلى رفع أسعار أشد حدة لاحقا، إذا نفدت قدرة الدولة على تحمل الفارق أو صعب عليها الحصول على التمويل.

المساعدة تتجه إلى الأسرة

يتجه البديل إلى تعويض الأسر الأشد تأثرا مباشرة، مع السماح للأسعار بأن تعكس جزءا أكبر من التكلفة. فالتحويل النقدي المحدد يمكن أن يحمي الاحتياجات الأساسية من دون أن تتحمل الدولة تخفيض سعر كل لتر يستهلكه الجميع، بمن فيهم الأكثر قدرة على الدفع.

لكن نجاح هذا الانتقال يحتاج سجلات اجتماعية محدثة وقنوات دفع تصل إلى المستحقين. خفض الدعم قبل وصول التعويض يحول إصلاحا ماليا إلى صدمة معيشية. كما تحتاج الشركات القابلة للاستمرار، التي تواجه أزمة سيولة مؤقتة، إلى أدوات مختلفة عن مساعدة الأسر، مثل تسهيلات قصيرة الأجل مرتبطة بقدرتها على مواصلة النشاط.

ويظل التمويل الميسر ضروريا للدول التي لا تستطيع تغطية هذه الحماية حتى بعد تضييق نطاقها. المال الأرخص والأطول أجلا قد يمنحها وقتا لتوزيع تكلفة التكيف، لكن فائدته تتوقف على شروطه وكيفية استخدامه، ولا يلغي الحاجة إلى معالجة العجز المستمر.

ما يستحق المتابعة في بانكوك هو قدرة المؤسسات الدولية على إتاحة هذا الوقت بشروط محتملة، وقدرة الحكومات على توجيه المساعدة قبل سحب الحماية العامة. فالنجاح لا يقاس فقط بالسعر الذي يراه المستهلك اليوم، بل أيضا بما يتبقى غدا من موارد للخدمات وفرص العمل.