قد تستقبل أوروبا ناقلات غاز أكثر، وتظل تدفع ثمن أزمة بدأت بعيدًا عن موانئها. فتعطل معظم الإمدادات القطرية عبر مضيق هرمز يدفع مشترين آسيويين إلى البحث عن بدائل، فينافسون الأوروبيين على الشحنات المتاحة. ومع اقتراب ذروة التدفئة، تصبح كل شحنة مطلوبة لغرضين: تلبية الاستهلاك اليوم، والحفاظ على مخزون يحمي السوق من موجة برد غدًا.
المشكلة أن السحب من المخزون يؤجل جزءًا من الفاتورة. فالغاز الذي يُستهلك خلال شتاء 2026 و2027 ينبغي تعويضه لاحقًا، وقد يبقى الطلب على الشحنات قويًا في الصيف حتى بعد انحسار البرد.
الميناء جاهز.. فأين الشحنة؟
دخل الاتحاد الأوروبي أكتوبر بمخزونات ممتلئة بنسبة 72%، تعادل نحو 74 مليار متر مكعب، مقابل قرابة 85 مليارًا قبل عام. ويعني ذلك احتياطًا أصغر عند بداية موسم قد تتزاحم فيه طلبات التدفئة وتوليد الكهرباء.
في المقابل، أكدت المفوضية الأوروبية أن منظومة الغاز قادرة على تلبية الطلب الشتوي، مستفيدة من تنويع الموردين وتوسيع قدرة استقبال الغاز المسال وخفض الاستهلاك مقارنة بالفترة السابقة لأزمة 2022. لكن القدرة على استقبال الغاز لا تضمن توافر الكميات المطلوبة في السوق العالمية.
يتعين على المشتري الأوروبي جذب شحنة يمكن أن تجد عميلًا آخر في آسيا. وإذا احتاج الطرفان إليها في الوقت نفسه، يرتفع السعر الذي يجعل بيعها لأحدهما أكثر جاذبية. لذلك قد تتصاعد التكلفة قبل حدوث نقص فعلي لدى المستهلك.
ولا يحل وصول ناقلة إضافية محل كل وظائف المخزون. فالاحتياطي المحلي يمكن سحبه سريعًا لتغطية قفزة مفاجئة في الطلب، بينما تحتاج الشحنة البحرية إلى وقت للوصول. وقد غطى التخزين نحو 26% من استهلاك الاتحاد الأوروبي للغاز في الشتاء الماضي.
أمريكا تصدّر أكثر.. وآسيا تشتري الزيادة
ارتفعت صادرات الغاز المسال الأمريكية 23% في النصف الأول من 2026، إلى متوسط 17.4 مليار قدم مكعب يوميًا. لكن صادراتها إلى أوروبا زادت 1% فقط، بينما قفزت الشحنات المتجهة إلى آسيا 108% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
تكشف هذه الأرقام لماذا لا تتحول زيادة الإنتاج تلقائيًا إلى انفراج أوروبي. فالإمدادات الجديدة تدخل سوقًا يتنافس فيها مستوردون فقدوا جزءًا من مصادرهم المعتادة، ويستطيعون شراء شحنات من المورد نفسه.
كما أن التوسع يمر عبر تشغيل وحدات إسالة ومنشآت تصدير جديدة. وعندما تكون المنشآت القائمة قريبة من أقصى إنتاجها، لا تكفي زيادة السعر لإخراج كميات كبيرة إضافية فورًا. تمنح الأسعار المرتفعة حافزًا للبيع، لكنها لا تختصر زمن بناء الطاقة الإنتاجية.
وبالنسبة إلى المستورد الذي ينتظر شحنة بموجب عقد طويل الأجل، قد يعني تعطلها الانتقال إلى السوق الفورية، حيث تُشترى الكميات المتاحة للتسليم القريب. وقد أعلنت «إديسون» الإيطالية امتداد تعذر تسلم إمداداتها القطرية حتى بداية ديسمبر، واضطرت إلى تعويض شحنات مفقودة، معظمها من الولايات المتحدة.
تأمين الإمدادات له فاتورة
تظهر الكلفة أولًا لدى الشركات التي تشتري الغاز، ثم يتحدد انتقالها إلى الأسر والمصانع وفق العقود والتعرفة وسياسات الدعم. والمستهلك ذو السعر الثابت قد يشعر بها عند تجديد عقده، بينما تتعرض الشركات المرتبطة بأسعار السوق للتغير أسرع.
ويمتد الأثر إلى الكهرباء حين تكون محطات الغاز هي التي تحدد سعر تلبية الطلب الإضافي. أما المصنع كثيف الاستهلاك، فيواجه ضغطًا على هامش ربحه وقدرته على المنافسة، حتى لو استمر وصول الوقود دون انقطاع.
هناك أيضًا معضلة في التخزين نفسه. فعندما لا يغطي الفرق بين سعر شراء الغاز صيفًا وبيعه شتاءً تكاليف التخزين، يضعف حافز الشركات لتكوين احتياط كبير. وما تحتاجه المنظومة للحماية من الطوارئ قد لا يكون صفقة مربحة للتاجر.
وهذا يضع الحكومات أمام مفاضلة مالية: دعم تكوين المخزون وتأمين الشحنات، أو الاستثمار في خفض الاستهلاك الذي يخلق الحاجة إليهما، عبر كفاءة المباني والتدفئة والصناعة.
الشتاء يحدد فاتورة الصيف
تُظهر سيناريوهات مشغلي الشبكات أن محدودية إمدادات الغاز المسال قد تخفض المخزون إلى ما دون 30% بنهاية الشتاء، وتزيد صعوبة إعادة ملئه في الصيف التالي. هذه نتائج مشروطة بالطلب والإمدادات، وليست توقعًا حتميًا لنفاد الغاز.
كلما انتهى الشتاء باحتياطي أقل، احتاجت أوروبا إلى شراء كميات أكبر قبل موسم التدفئة التالي. وقد تتراجع علاوة الخوف إذا استقرت الملاحة، لكن الحاجة إلى إعادة بناء المخزون لا تختفي بمجرد انتهاء البرد.
لذلك يتوقف حجم الفاتورة على ثلاثة متغيرات مترابطة: انتظام عودة الشحنات عبر هرمز، وشدة الشتاء في أوروبا وآسيا، وكمية الغاز المتبقية عند الربيع. فالنجاح في تجاوز الشتاء لا يكفي وحده لاستعادة الغاز الرخيص؛ المهم أيضًا ما يتركه الشتاء في الخزانات.




