تريد أوروبا إنفاقا أكبر على الدفاع والتكنولوجيا وأمن الطاقة، مع الحفاظ على دعم المزارعين والمناطق الأقل ثراء. لكن كل أولوية جديدة تصل إلى الطاولة تحمل السؤال نفسه: من يدفع، وما الذي يمكن الاستغناء عنه إذا رفضت الحكومات زيادة مساهماتها؟
هذا هو جوهر الخلاف على ميزانية الاتحاد الأوروبي للفترة من 2028 إلى 2034. وحذر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في محادثات القادة وفق رواية دبلوماسيين، من أن تأجيل الاتفاق إلى 2027 سيجعله أصعب مع اقتراب انتخابات في دول عدة، بينها فرنسا. فالميزانية تحتاج موافقة الدول الأعضاء بالإجماع، ثم موافقة البرلمان الأوروبي.
أمام التكتل خيارات متداخلة: مساهمات وطنية أكبر، وإيرادات مشتركة جديدة، وإعادة توزيع الإنفاق، واستخدام الاقتراض لأغراض محددة. وكل خيار يغيّر الجهة التي تتحمل التكلفة أو توقيت سدادها.
لماذا لا يكفي تكبير الرقم؟
اقترحت المفوضية الأوروبية إطارا ماليا يقترب من تريليوني يورو بالأسعار الجارية لسبع سنوات، يعادل في المتوسط 1.26% من الدخل القومي الإجمالي للاتحاد. هذا مقترح تفاوضي، لا ميزانية نهائية معتمدة، ولا إنفاقا سنويا.
والرقم الأكبر لا يعني أن الزيادة كلها ستذهب إلى مشاريع جديدة. فالمقترح يتضمن سداد التزامات برنامج التعافي الذي موّل الاستجابة للجائحة. وباستبعاد هذا السداد، تنخفض حصة الميزانية المقترحة إلى نحو 1.15% من الدخل القومي، مقابل 1.13% للإطار الحالي.
تلك المقارنة تكشف ضيق المساحة المتاحة: أوروبا تطلب من ميزانيتها أن تتحمل مهام أكثر، بينما يستهلك سداد تمويل سابق جزءا من الزيادة. لذلك لا يُحسم الخلاف بمجرد رفع الرقم الإجمالي، بل بتحديد ما يبقى بعد الالتزامات، وكيف يُوزع.
الخيار الأول: أن تدفع الحكومات أكثر
زيادة مساهمات الدول هي الطريق الأكثر مباشرة لتمويل إنفاق مشترك أكبر. لكنها تضع التكلفة داخل الموازنات الوطنية، حيث تتنافس بالفعل مع الخدمات العامة والاستثمار والدفاع.
وتظهر المقاومة بوضوح لدى الدول التي تدفع إلى الميزانية الأوروبية أكثر مما تستعيده في صورة مخصصات. فقد رفضت ألمانيا والسويد مستوى المساهمات المطروح في مفاوضات أكتوبر، بينما تتمسك دول مستفيدة بحماية دعم الزراعة وتمويل المناطق الأقل نموا.
يمكن تخفيف الخلاف بتسوية تجمع زيادة محدودة للمساهمات مع تقليص بعض بنود الإنفاق. لكن هذا حل سياسي مكلف: على كل حكومة أن تشرح لناخبيها لماذا تدفع أكثر، أو لماذا تقبل حصول قطاعات ومناطق على أقل مما تطلبه.
ومع اقتراب الانتخابات، يصعب تقديم هذه التنازلات. فالفائدة من مشروع أوروبي مشترك قد تظهر بعد سنوات، بينما تظهر الزيادة في المساهمة الوطنية فورا في السجال الداخلي.
الخيار الثاني: إيرادات أوروبية جديدة
تسعى المفوضية إلى تقليل الضغط على المساهمات الوطنية عبر توسيع «الموارد الذاتية»، أي الإيرادات المخصصة لميزانية الاتحاد. وتشمل المقترحات حصصا من عوائد تداول الانبعاثات والكربون على الواردات، وموردا مرتبطا برسوم التبغ، وآخر بالنفايات الإلكترونية غير المجمعة، ومساهمة من الشركات الكبرى.
ميزة هذا المسار أنه يربط جزءا من تمويل الاتحاد بقواعد وأنشطة تمتد عبر سوقه المشتركة. لكنه لا ينتج أموالا بلا تكلفة. فتخصيص إيراد قائم لبروكسل قد يقلل ما تحتفظ به خزينة وطنية، وفرض مساهمة جديدة على الشركات قد يضغط على أرباحها أو ينتقل جزء منه إلى الأسعار، تبعا للمنافسة وقدرتها على تمرير التكلفة.
لهذا لا تختفي معركة «من يدفع» عندما يتغير اسم المورد. بل تنتقل من حجم التحويل الحكومي إلى توزيع العبء بين الخزائن والشركات والمستهلكين.
وهذا الخيار يحتاج اتفاقا سياسيا واسعا أيضا. فقرار الموارد الذاتية يتطلب الإجماع والتصديق من الدول وفق قواعدها الدستورية، ولا تستطيع المفوضية تحويل المقترحات إلى إيرادات مضمونة بقرار منفرد.
الخيار الثالث: تغيير الأولويات أو الاقتراض
إذا تعذر جمع أموال إضافية كافية، تستطيع أوروبا نقل الإنفاق من برامج إلى أخرى، أو خفض الطموحات الجديدة. عندها يصبح تمويل الدفاع والابتكار قرارا يمس حصص الزراعة والتنمية الإقليمية، بدلا من كونه إضافة يتفق عليها الجميع.
ويقترح الإطار الجديد جمع برامج وطنية وإقليمية في خطط أكثر مرونة. قد يسهل ذلك توجيه الأموال إلى الاحتياجات المتغيرة، لكنه يزيد أهمية المفاضلة داخل كل دولة: أي مشروع يحصل على التمويل أولا، وأي منطقة تنتظر؟
أما الاقتراض المشترك فيتيح تمويل استثمارات الآن وسدادها لاحقا. ولدى الاتحاد تجربة قائمة عبر أداة «SAFE»، التي توفر قروضا تصل إلى 150 مليار يورو لدعم المشتريات الدفاعية المشتركة، بتمويل من إصدار سندات أوروبية.
لكن هذه قروض تسددها الدول المستفيدة، وليست منحا مجانية أو بديلا تلقائيا عن إيرادات الميزانية. وتوسيع الاقتراض يحتاج ترتيبات خاصة تحدد الغرض والضمانات والسداد. كما أن وجود التزامات برنامج التعافي داخل الميزانية المقبلة يوضح أن الدين يؤجل الفاتورة ولا يلغيها.
وإذا لم تتفق أوروبا سريعا؟
نهاية 2026 هدف سياسي لإتاحة وقت خلال 2027 لإقرار التشريعات وتجهيز البرامج قبل بدء الإطار الجديد في يناير 2028. تجاوز هذا الهدف لا يعني أن أموال الاتحاد تنفد في اليوم التالي.
وحتى إذا انتهى الإطار الحالي دون اعتماد خلفه، تنص المعاهدة على تمديد سقوف السنة الأخيرة وأحكامها إلى حين الاتفاق. لكن استمرار السقوف القديمة لا يعادل تجهيز البرامج الجديدة أو توفير اليقين اللازم للمستفيدين.
لذلك يرجح منطق التفاوض حلا يجمع أكثر من أداة: إيرادات إضافية، وتعديلات في المساهمات، وتسويات على توزيع الإنفاق. وسيكشف الاتفاق المقبل مقدار ما تستطيع أوروبا تمويله جماعيا، وما ستتركه للحكومات الوطنية أو تؤجله.




