قد تخسر أوروبا مصنعها المقبل بينما يواصل مصنعها الحالي العمل. فالشركة التي تتحمل اليوم فاتورة طاقة مرتفعة للحفاظ على عملائها قد تختار بناء خط الإنتاج الجديد في بلد أرخص. ومع استمرار الفجوة، تتحول أزمة التكاليف إلى منافسة على مكان الوظائف والاستثمار.
في 2025، ظلت أسعار الكهرباء للصناعات الأوروبية كثيفة الاستهلاك تدور حول ضعف المستويات الأمريكية المرجعية، وتزيد بأكثر من 50% على نظيرتها الصينية. هذه مقارنة لكبار المستهلكين الصناعيين، وليست تعريفة واحدة تنطبق على كل مصنع، لكنها تكشف عبئا يصعب تجاهله عند اختيار موقع التوسع.
والتحدي أن تراجع الأسعار عن ذروة أزمة 2022 لا يكفي وحده لاستعادة القدرة على المنافسة. ما يهم الشركة هو الفارق بينها وبين منافسيها، ومدى قدرتها على توقع هذا الفارق طوال عمر المشروع.
فاتورة تأتي من الخارج
لبت الواردات الصافية نحو 57% من احتياجات الاتحاد الأوروبي من الطاقة في 2024، أي ما يقارب ثلاثة أخماسها. ويرتفع الاعتماد على الخارج بشدة في الوقود الأحفوري، إذ يستورد الاتحاد أكثر من 90% من النفط الذي يستهلكه وأكثر من 80% من الغاز.
في المقابل، أصبحت الولايات المتحدة مصدرا صافيا للطاقة منذ 2019، مستفيدة من توسع إنتاج النفط والغاز. وهذا يمنح الصناعة الأمريكية قاعدة إمدادات محلية تختلف عن وضع مشتر أوروبي ينافس على الوقود المستورد.
الاستيراد لا يجعل الطاقة غالية بالضرورة، لكنه يزيد التعرض لصدمات الموردين والنقل والأسواق العالمية. وقد كشفت خسارة جزء كبير من الغاز الروسي عبر الأنابيب حدود النموذج الأوروبي، ورفعت أهمية الغاز الطبيعي المسال الأكثر كلفة في تعويض الإمدادات.
كما تصل الصدمة إلى الكهرباء. فعندما تكون محطات الغاز مطلوبة لتلبية آخر جزء من الطلب، يمكن أن تحدد كلفتها سعر السوق في تلك الساعات. لذلك لا يعني وجود كهرباء رخيصة من الرياح والشمس أن فاتورة المصنع ستصبح رخيصة بالقدر نفسه، خصوصا مع تكاليف الشبكات والضرائب وشروط التعاقد.
الرحيل قد يبدأ باستثمار لم يأت
مصاهر الألمنيوم ومصانع الصلب والكيماويات شديدة الحساسية للطاقة. وعندما تبيع منتجات تواجه منافسة دولية، تصبح قدرتها على تمرير الزيادة إلى العميل محدودة. رفع السعر قد يفقدها طلبات، وامتصاصه يضغط الأرباح.
ويضيف التقلب مشكلة أخرى. فالشركة تستطيع حساب جدوى مشروع عند سعر مرتفع لكنه مستقر، بينما يجعلها تغير السعر بعنف أقل يقينا بشأن العائد. وقد تختار تأجيل التوسع أو توزيع استثماراتها على مواقع متعددة.
هذا لا يعني أن كل فرق في الكهرباء يقود إلى إغلاق فوري. المصنع القائم يضم معدات مدفوعة التكلفة، وعمالة مدربة، وموردين وعملاء يصعب تعويضهم. أما المشروع الجديد فيبدأ بمقارنة أوسع بين المواقع، فتأخذ تكلفة الطاقة المستمرة وزنا أكبر في القرار.
يمكن، لذلك، أن تستمر المصانع الأوروبية في الإنتاج بينما تتراجع حصة القارة من التوسعات المقبلة. ويظهر الأثر تدريجيا في الوظائف الجديدة وطلبات المعدات والأعمال التي تصل إلى الموردين، قبل أن يظهر في صورة بوابات مغلقة.
باسف تكشف تعقيد القرار
توضح تحركات شركة الكيماويات الألمانية «باسف» لماذا يصعب اختزال المسألة في هجرة جماعية للصناعة. فقد بدأت إنتاج أول منتجات مجمعها المتكامل الجديد في تشانجيانغ الصينية في نوفمبر 2025، ضمن توسع يستهدف الاقتراب من الأسواق الآسيوية المتنامية.
وفي الوقت نفسه، استثمرت الشركة في موقع لودفيغسهافن الألماني، بما يشمل منشآت جديدة لمواد عالية النقاء تستخدمها صناعة أشباه الموصلات. وتقر الشركة بأن منافسين في آسيا وأمريكا الشمالية والشرق الأوسط يستفيدون من مزايا أسعار الطاقة والمواد الخام.
هذه الوقائع لا تثبت أن الطاقة وحدها نقلت الاستثمار إلى الصين. لكنها توضح كيف يمكن أن تتوزع الأنشطة: إنتاج قريب من أسواق النمو، ومشروعات أوروبية تستفيد من الخبرة والعملاء المتخصصين. ومع ارتفاع كلفة المدخلات، تزداد أهمية أن يقدم المصنع منتجا يبرر سعرا أعلى.
الخطر الأكبر يواجه الأنشطة التي تستهلك طاقة كثيرة ولا تملك مساحة واسعة لتمييز منتجاتها. أما امتلاك تقنية متقدمة أو قرب يصعب استبداله من العميل، فيمكن أن يساعد الشركة على تحمل جزء من الفارق.
هل يكفي دعم الفواتير؟
يستطيع الدعم الحكومي تخفيف الضغط سريعا، لكنه ينقل جزءا من التكلفة إلى الموازنة. وإذا استمر بلا معالجة لمصادر الغلاء، فقد يستهلك أموالا كان يمكن توجيهها إلى الشبكات وتوسيع الإمدادات.
تملك أوروبا طريقا لتقليل الاعتماد على الوقود المستورد عبر الكهرباء المحلية منخفضة الانبعاثات، وتحسين الكفاءة وربط الأسواق. لكن الكهرباء مثلت نحو 23% فقط من استهلاك الطاقة النهائي في الاتحاد خلال 2024، ما يبين حجم التحول المطلوب في الصناعة والتدفئة والنقل.
ويحتاج ذلك إلى أكثر من إضافة محطات توليد. فالمصنع يحتاج شبكة قادرة على توصيل الكهرباء، وإمدادات موثوقة، وعقودا تسمح بتوقع التكلفة. كما يساعد الربط بين الدول على الاستفادة من اختلاف موارد الرياح والشمس وتقليل الحاجة إلى بدائل مرتفعة الكلفة.
المنافسة الآن على توقيت هذا التحول أيضا. فإذا وصل الوفر إلى المصانع بعد اتخاذ قرارات التوسع الكبرى، فقد تكون بعض الاستثمارات قد استقرت بالفعل في مكان آخر. وسيظهر نجاح أوروبا في قدرتها على جذب خط الإنتاج المقبل، بقدر ما يظهر في إبقاء الخط الحالي مفتوحا.




