كل يورو توفره فرنسا اليوم من موازنتها قد يخفف حاجتها إلى الاقتراض. لكن إذا جاء التوفير من تدريب العاملين أو تحديث البنية الأساسية أو تطوير التكنولوجيا، فقد تخسر معه جزءاً من قدرتها على توليد إيرادات أكبر غداً. تلك هي المعضلة التي تجعل إصلاح المالية العامة أصعب من الاتفاق على رقم للتخفيضات.

تدخل البلاد نقاش موازنة 2027 تحت ضغط الديون وتكلفة التمويل والخلاف السياسي على توزيع الأعباء. وتحتاج إلى مسار يضبط الإنفاق ويقنع الدائنين، بالتوازي مع إصلاح محرك النمو الذي يمول الخدمات والأجور والمعاشات. نجاح أحد المسارين يساعد الآخر، وتعثرهما معاً يجعل كلفة الإصلاح أعلى.

الدين يكبر والاقتصاد مطالب باللحاق

بلغ الدين العام الفرنسي 3.5955 تريليون يورو بنهاية الربع الثاني من 2026، بما يعادل 119% من الناتج المحلي الإجمالي. وقبل عامين، كانت النسبة 111.6%. وخلال الربع الثاني وحده، زاد رصيد الدين 59.6 مليار يورو.

رسم بياني يوضح ارتفاع الدين العام الفرنسي من 111.6% إلى 119% من الناتج المحلي الإجمالي بين يونيو 2024 ويونيو 2026.
Monetory. البيانات: INSEE، 29 سبتمبر 2026.

تربط هذه النسبة بين التزامات الدولة وحجم الاقتصاد الذي يسدد الضرائب. ويمكن للنمو أن يخفف ثقل الدين عندما تتوسع الدخول والأرباح والإيرادات العامة، فيما يجعل ضعف النشاط الوصول إلى النتيجة نفسها معتمداً بدرجة أكبر على زيادة الضرائب أو خفض النفقات. ومع استمرار العجز، تظل الحكومة تضيف اقتراضاً جديداً إلى الديون المستحقة.

ويزيد ارتفاع تكلفة التمويل صعوبة المهمة. فالفائدة الأعلى تدخل الموازنة تدريجياً مع إصدار سندات جديدة وتجديد المستحق منها، وتستحوذ على موارد كان يمكن توجيهها إلى التعليم والصحة والاستثمار. لذلك يحتاج الدائنون إلى الثقة في قدرة الحكومة على ضبط العجز وفي قدرة الاقتصاد على النمو خلال السنوات التالية.

وظائف أكثر لا تكفي وحدها

تسمح زيادة الإنتاجية بإنتاج قيمة أكبر من الوقت والموارد نفسيهما. ومنها تأتي مساحة أوسع لرفع الأجور والأرباح والإيرادات الضريبية. وفي فرنسا، تداخل ضعف مكاسب الإنتاجية مع تغير تركيبة العاملين، ما يجعل قراءة الأداء من رقم واحد مضللة.

تقديرات بنك فرنسا المنشورة في يوليو 2026 تضع مستوى الناتج المحتمل، أي ما يستطيع الاقتصاد إنتاجه دون توليد ضغوط تضخمية، أقل بنحو 0.7% من المسار الذي كان سيبلغه لو استمر اتجاه ما قبل الجائحة. لكنها تشير أيضاً إلى استعادة وتيرة النمو المحتمل السابقة بنهاية 2025، مع بقاء خسارة في المستوى.

وجاء جزء من الضغط على متوسط الإنتاجية من توظيف متدربين وأشخاص كانوا بعيدين عن سوق العمل أو أقل تأهيلاً. هؤلاء يوسعون قاعدة التشغيل، لكن إنتاجهم الأولي قد يكون أقل من متوسط العاملين السابقين. وتتحول المكاسب الاجتماعية إلى مكاسب إنتاجية أكبر حين يحصل الموظفون الجدد على التدريب والأدوات والخبرة اللازمة.

كما يرجح بنك فرنسا أن تبطئ التحولات الديموغرافية النمو المحتمل في السنوات المقبلة. وهذا يزيد أهمية الاستفادة من العاملين الموجودين، وتحسين فرص من يواجهون صعوبة في دخول سوق العمل أو الاستمرار فيه. رفع عدد الوظائف ورفع جودة ما تنتجه وظيفتان متكاملتان في إصلاح النمو.

أموال الابتكار تحتاج إلى نتائج

تمتلك فرنسا شركات ومهارات قوية في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والطاقة والتكنولوجيا المتقدمة. لكن تحويل هذه المزايا إلى مكاسب واسعة في الإنتاج يحتاج إلى انتقال الابتكار من المختبر والشركة الناشئة إلى المؤسسات التي تستخدمه يومياً.

وتكشف الحوافز البحثية حجم التحدي. فقد ارتفعت الكلفة المالية للائتمان الضريبي الفرنسي للبحث من 1.8 مليار يورو في 2007 إلى نحو 8 مليارات في 2024، بينما ظل نمو إنفاق الشركات على البحث والتطوير متواضعاً بالمقارنة الدولية. لذلك يصبح تقييم نتائج الدعم، والجهات التي تحصل عليه، وما يضيفه فعلياً إلى الاستثمار، جزءاً من إصلاح الموازنة والإنتاجية معاً.

ويواجه التوسع قيداً آخر هو التمويل. فالشركة التي تنجح في تطوير منتج تحتاج إلى رأس مال أكبر لبناء مصنع أو الوصول إلى أسواق جديدة. وتظل قدرة الشركات الفرنسية الناشئة على جمع التمويل بعد سنوات من تأسيسها أقل من نظيراتها الأميركية. ومعالجة هذه الفجوة تتطلب توجيه مزيد من المدخرات والتمويل طويل الأجل إلى نمو الشركات، وتحسين انتقال التكنولوجيا والمهارات بينها.

أي إنفاق يمكن الاستغناء عنه؟

تختلف نتيجة خفض إعفاء ضريبي ضعيف الأثر عن نتيجة تأجيل مشروع يزيل اختناقاً في الكهرباء أو النقل. الأول قد يوفر موارد بكلفة اقتصادية محدودة، بينما قد يؤخر الثاني استثمارات خاصة وإيرادات مستقبلية. ولهذا تتوقف جودة الإصلاح على اختيار البنود وتوقيت التنفيذ، إلى جانب الحجم الإجمالي للتوفير.

يدعو صندوق النقد الدولي إلى ضبط مالي يمتد لسنوات، مع تقليص الإنفاق غير الكفء وتحسين عدالة الضرائب وتوجيه الموارد إلى الأولويات. وتحد الإيرادات العامة المرتفعة أصلاً مقارنة بحجم الاقتصاد من سهولة الاعتماد المستمر على زيادة الضرائب. كما تحتاج الشركات إلى قواعد مستقرة كي تخطط لاستثمارات يتأخر عائدها.

وتؤثر طريقة توزيع الأعباء في قابلية الخطة للاستمرار. فالأسرة التي تخسر خدمة أساسية تواجه كلفة مباشرة، بينما قد تتأخر ثمرة الاستثمار والتدريب. وكلما بدا الإصلاح عادلاً ومفهوماً، أصبح بناء التأييد اللازم لتنفيذه أسهل. أما إجراءات التوفير التي تتراجع عنها الحكومات تحت الضغط، فتترك الدائنين والشركات أمام قدر أكبر من عدم اليقين.

سيظهر نجاح فرنسا في قدرتها على خفض العجز مع تحسن الاستثمار والإنتاجية واستمرار انتقال الناس إلى وظائف أفضل. فإذا تحققت وفورات الموازنة على حساب هذه العناصر، فقد تحصل الدولة على تخفيف مؤقت لفاتورتها، ثم تجد نفسها أمام اقتصاد أضعف وقدرة أقل على تمويل التزاماتها.