بدأت موجة احتجاجات فرنسا في خريف 2026 من مدارس ثانوية يشكو طلابها نقص المعلمين وسوء ظروف الدراسة، ثم اتسعت إلى غضب على غلاء المعيشة وتراجع الخدمات العامة وخطط ضبط الإنفاق الحكومي. ولذلك، فإن تفسيرها باعتبارها احتجاجات طلابية فقط لا يشرح لماذا انضم إليها عاملون ومتقاعدون ونقابات وأصحاب سترات صفراء.
ما جمع هذه الفئات هو الاعتراض على ما تحصل عليه مقابل ما تتحمله: تعليم لا يلبي تطلعات الشباب، ودخل تضغط عليه النفقات اليومية، ودولة تطلب تقليص الإنفاق بينما يطالب مستخدمو خدماتها بتحسينها.
كيف بدأت الاحتجاجات داخل المدارس؟
برزت شرارة الحركة في سبتمبر 2026 داخل مدرسة ثانوية في كريتاي، جنوب شرق باريس، عندما تحرك طلاب بالتزامن مع احتجاج معلميهم على نقص الموارد والعاملين. وانتقلت التعبئة عبر مواقع التواصل إلى مدارس أخرى في ضواحي باريس، ثم إلى مدن فرنسية مختلفة.
لم تكن الشكاوى مقتصرة على مستوى المناهج أو نتائج الامتحانات. تحدث الطلاب عن حصص بلا معلمين بدلاء، وفصول مكتظة، وتجهيزات متهالكة، وأيام دراسية مرهقة. وامتدت المطالب إلى نظام القبول الجامعي «باركورسوب»، الذي يراه محتجون معقدا وغير عادل.
هذه المشكلات تجعل المدرسة قضية اقتصادية أيضا. فالطالب الذي يفقد حصصا دراسية لا يخسر وقتا فقط، بل قد يصل إلى امتحانات تحدد مستقبله بفرص أضعف من طالب يستطيع تعويض النقص.
وتعزز النتائج التعليمية هذا القلق. فقد تراجع أداء فرنسا في الرياضيات والقراءة في اختبارات 2025 مقارنة بعام 2022، مع بقائه قريبا من متوسط الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وبلغ الفارق في العلوم بين الطلاب الأكثر والأقل حظا اجتماعيا واقتصاديا 100 نقطة، مقابل 85 نقطة في متوسط المنظمة. هذه خلفية مهمة للغضب، وليست دليلا على أن الاختبارات نفسها أشعلت الاحتجاجات.
هل التعليم في فرنسا من الأغلى أوروبيا؟
هذا الوصف يخلط بين ثلاثة أشياء: رسوم الدراسة، ونفقات معيشة الطالب، وما تنفقه الدولة على تعليمه.
التعليم في المدارس الحكومية الفرنسية، بما يشمل المرحلة الثانوية التي خرجت منها الحركة، مجاني. وقد تتحمل الأسر نفقات مرتبطة بالدراسة، لكن الاحتجاجات لم تبدأ لأن طلاب هذه المدارس يدفعون رسوما دراسية من الأعلى في أوروبا.
أما الإنفاق الحكومي، فالصورة تختلف حسب المرحلة. في بيانات 2023، بلغ متوسط الإنفاق العام على الطالب من التعليم الابتدائي إلى العالي نحو 13.8 ألف دولار سنويا، معدلة لاختلاف القوة الشرائية، مقابل 13.6 ألف دولار في متوسط منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وهذه مقارنة مع دول المنظمة، وليست ترتيبا أوروبيا.
وفي التعليم الثانوي العام الأعلى، ارتفع الرقم الفرنسي إلى نحو 16.7 ألف دولار مقابل 12.4 ألف دولار لمتوسط المنظمة، بينما جاء الإنفاق على المرحلة الابتدائية دون المتوسط.
المفارقة إذن أن الإنفاق المرتفع في بعض المراحل لا يمنع وجود مدارس تعاني نقصا واضحا. فالمتوسط الوطني لا يكشف وحده كيف تتوزع الموارد، أو ما إذا كانت الوظائف المخصصة تجد معلمين يشغلونها، أو إن كانت المباني تلبي احتياجات الطلاب.
لماذا انضم غير الطلاب إلى الشارع؟
وجدت مطالب المدارس صدى لدى فئات تواجه ضغوطا على ميزانياتها اليومية. ومع اتساع الحركة، برزت مطالب زيادة الأجور والمعاشات والحدود الدنيا للإعانات الاجتماعية، وتحسين الخدمات العامة.
وتساعد طبيعة هذه المصروفات على فهم اتساع الغضب. فالوقود والطعام والتنقل احتياجات متكررة يصعب إلغاؤها. وعندما تستحوذ على حصة أكبر من الدخل، تضيق قدرة الأسرة على الادخار أو تحمل مصروف مفاجئ، حتى إذا ظل أحد أفرادها يعمل.
وقد جمعت مظاهرات 17 أكتوبر نحو 550 ألف مشارك وفق تقدير وزارة الداخلية، بينما قدرت نقابة «سي جي تي» العدد بنحو 800 ألف. ويعكس اختلاف التقدير ضرورة الحذر في الأرقام، لكن كلاهما يوضح اتساع الحركة خارج المدارس.
وأعلنت «سي جي تي» أن زيادة الدخول ومواجهة التفاوت ورفض التوجهات التقشفية للموازنة تقع في صلب مطالبها. لذلك، لا تكفي معالجة نقص المعلمين وحده للاستجابة لكل من باتوا يشاركون في الاحتجاجات.
ما علاقة الديون والموازنة بالغضب؟
تطالب مجموعات المحتجين بمزيد من الخدمات والدعم في وقت تواجه فيه الدولة مديونية كبيرة. فقد بلغ الدين العام الفرنسي نحو 3.6 تريليون يورو بنهاية الربع الثاني من 2026، بما يعادل 119% من الناتج المحلي الإجمالي.
هذا الرقم لا يعني أن فرنسا عاجزة فورا عن تمويل نفسها، لكنه يضيق مساحة الاختيار. فالاقتراض الجديد وإعادة تمويل الديون المستحقة يرتبان فوائد، ومع ارتفاع كلفة الاقتراض تصبح حماية الإنفاق على الخدمات أصعب من دون زيادة الإيرادات أو تقليص بنود أخرى.
من هنا يكتسب مشروع موازنة 2027 أهمية مباشرة للشارع. فالحكومة تسعى إلى ضبط المالية العامة، بينما تخشى النقابات أن تتحمل الخدمات والعاملون والمستفيدون من الدعم جانبا كبيرا من التصحيح.
ولا يقتصر الخلاف على حجم الإنفاق، بل يشمل توزيع الفاتورة. تدعو «سي جي تي»، مثلا، إلى زيادة مساهمة الثروات الكبيرة، وإعادة ضريبة الثروة، ومكافحة التهرب الضريبي. وهذه مطالب سياسية ونقابية، وليست إجراءات أقرها البرلمان.
والاختيارات كلها لها كلفة: الاقتراض ينقل جزءا من العبء إلى الموازنات المقبلة، وتقليص الخدمات يؤثر في مستخدميها الآن، وزيادة الضرائب تفتح خلافا حول من يدفع وما أثر ذلك على النشاط الاقتصادي. هذا الصراع على توزيع العبء يساعد على تفسير تحول احتجاج مدرسي إلى مواجهة اجتماعية أوسع.
لماذا أصبحت الأزمة أصعب من تسوية تعليمية؟
أضافت المواجهات مع الشرطة طبقة أخرى من التوتر. فبينما كانت غالبية الاحتجاجات سلمية، شهدت بعض التحركات عنفا وتخريبا، وأثارت إصابات محتجين وانتقادات لأساليب الشرطة غضبا إضافيا. ويجب التمييز بين مطالب المشاركين السلميين وأعمال العنف التي وقعت على هامش الحركة.
كما دخلت الاحتجاجات المنافسة السياسية قبل الانتخابات الرئاسية في 2027، فأصبح الخلاف يشمل الأمن والتمثيل السياسي إلى جانب الأجور والمدارس والموازنة.
يمكن للحكومة إصلاح مبان أو توفير معلمين، لكن تهدئة الحركة الأوسع تتطلب إجابات عن دخول الأسر، وجودة الخدمات، وكيفية توزيع كلفة ضبط الديون. بدأت القصة من الفصل الدراسي، ثم وصلت إلى السؤال الذي يجمع أطرافها: من يتحمل كلفة إصلاح الاقتصاد الفرنسي، وماذا يحصل في المقابل؟




