تحتاج غرينلاند إلى أكثر من اهتمام البيت الأبيض كي تتحول ثرواتها إلى شحنات نفط ومعادن. فالشركة التي تصل إلى موقع واعد قد تضطر أولا إلى توفير الكهرباء والنقل والعمالة، ثم إقناع ممول بالانتظار سنوات قبل ظهور الإيرادات. وقد تكون الثروة كبيرة، بينما تظل فاتورة الوصول إليها أكبر مما يقبله المستثمر.

أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذه المفارقة إلى الواجهة في 14 أكتوبر، حين أعلن التحضير لعمليات واسعة للتنقيب عن النفط والغاز والمعادن، من دون تحديد مشروعات أو صفقات بعينها. وجاء تصريحه بعد اتفاق أمني مع الدنمارك وغرينلاند في سبتمبر. لكن تحويل الاهتمام السياسي إلى إنتاج يظل مرهونا بالتراخيص والجدوى والتمويل.

الاتفاق الأمني لا يفتح المنجم

أكدت وزارة الخارجية الدنماركية أن الاتفاق لا يمنح المستثمرين الأمريكيين معاملة تفضيلية في الوصول إلى الموارد مقارنة بمستثمري دول الناتو والاتحاد الأوروبي وشركاء الحلف. كما أنه لم يخصص حقوقا للتعدين أو الحفر، وتبقى الأنشطة خاضعة لتشريعات غرينلاند.

وهذه نقطة حاسمة في النفط. فقد أوقفت الجزيرة منح تراخيص استكشاف نفطية جديدة عام 2021، بينما يستمر الجدل بشأن حقوق تستند إلى تراخيص أقدم. وأعلنت شركة «غرينلاند إنرجي» خططا للحفر عام 2027، لكن الموافقات اللازمة لا تزال مسألة منفصلة عن إعلان الشركة.

لذلك لا يكفي تغير العلاقات السياسية لاحتساب إنتاج جديد. فأول ما يحتاجه المشروع هو حق واضح في العمل، ثم نتائج استكشاف تثبت أن هناك موردا يستحق إنفاق مزيد من المال عليه.

ثروة على الخريطة ليست إيرادات

تضم غرينلاند 24 من أصل 34 مادة خام يصنفها الاتحاد الأوروبي بأنها حرجة. غير أن وجود المعدن لا يعني توافره بتركيز وحجم يسمحان بإنتاج مربح، ولم تُقاس كثير من المواقع بما يكفي لتحديد إمكاناتها بدقة.

وتظهر المسافة بين الاحتمال والإنتاج بوضوح في النفط. فمتوسط الموارد التقليدية غير المكتشفة في أحواض شرق غرينلاند يبلغ في تقديرات عام 2007 نحو 31.4 مليار برميل مكافئ نفطي، تشمل النفط والغاز وسوائل الغاز. هذا تقدير لموارد محتملة، وليس احتياطيات نفط مؤكدة أو كمية جاهزة للبيع.

حتى صورة الجليد الذي يذوب ليكشف كنزا تحتاج إلى تدقيق. فالغطاء الجليدي يغطي نحو 80% من الجزيرة، لكن انحساره لا يحدث بسرعة تكشف مساحات جديدة كبيرة للتنقيب في المستقبل القريب. والفرص المعروفة لا تنتظر ذوبان الجزيرة بقدر ما تنتظر مشروعات قابلة للتنفيذ.

من يبني الطريق قبل استخراج المعدن؟

في مناطق تعدين راسخة، تستطيع الشركة الاستفادة من طرق وشبكات كهرباء وموردين وعمالة متخصصة. أما في غرينلاند، فقد تضطر إلى إنشاء بنية النقل والطاقة التي يحتاجها مشروعها، واستقدام مهارات لا تتوافر محليا بالقدر المطلوب.

ويضيف البرد وتساقط الثلوج وقصر ساعات النهار قيودا على التشغيل، بينما يعرقل الطقس الوصول إلى مناطق يعتمد الوصول إليها على الطيران. هذه الظروف ترفع رأس المال المطلوب قبل بيع أول شحنة، وتزيد أثر أي تأخير على حسابات المشروع.

والمنافسة على التمويل لا تجري بين غرينلاند والصين وحدهما. فالمستثمر يستطيع اختيار مشروعات في كندا أو أستراليا أو الولايات المتحدة، حيث توجد بنية تحتية وقطاعات تعدين أكثر رسوخا. ولجذب المال، يحتاج المشروع في غرينلاند إلى ميزة تعوض هذا الفارق، سواء في جودة المورد أو قيمة المنتج أو شروط التمويل.

لهذا قد يفتح الدعم السياسي بابا للمشروعات، لكنه لا يلغي سؤال الممول: هل ستغطي الإيرادات تكاليف البناء والتشغيل ومخاطر الانتظار؟

أمن الإمدادات يغير حسابات الدفع

تملك الحكومات سببا لدعم بعض المشروعات حتى عندما يتردد رأس المال الخاص. ففي 2024، استحوذت الصين على 60% من إنتاج المناجم للعناصر الأرضية النادرة المستخدمة في المغناطيس، و91% من إنتاجها المكرر. وهذا التركيز يجعل تنويع الموردين ذا قيمة لصناعات السيارات والطاقة والدفاع.

لكن استخراج الخام من غرينلاند وحده لا يبني بديلا متكاملا. إذ يحتاج إلى فصل وتكرير ومصانع تحول المواد إلى مكونات صناعية. ويمكن أن يتغير مكان المنجم بينما يبقى الاعتماد على دولة أخرى في مراحل التصنيع التالية.

وقد تسهم قروض حكومية وضمانات تمويل وعقود شراء طويلة الأجل في جعل المشروع قابلا للاستثمار. وهي ترتيبات توزع المخاطر بين الشركة والممول والدولة والمشتري الصناعي، بدلا من تركها كلها على المطور قبل بدء الإنتاج.

في حالة غرينلاند، يعني ذلك أن قيمة تنويع الإمدادات قد تساعد على تحمل كلفة أعلى. لكن الاختبار العملي يبقى في تراخيص مكتملة، وتمويل ملزم، وبنية تحتية، ومشترين للإنتاج. عندها فقط تصبح الثروة فرصة تجارية قابلة للقياس، ويصبح واضحا من سيدفع كلفتها ومن سيحصل على عائدها.