قد تستمر شاشة المتجر الإلكتروني في العمل، بينما يفشل الدفع في الخطوة الأخيرة. وقد يفتح الموظف بريده، لكنه يعجز عن الوصول إلى نظام الشركة في الخارج. هذا أحد الأشكال التي يمكن أن تتخذها أزمة كابلات الإنترنت: اقتصاد متصل ظاهريا، لكنه أبطأ وأقل قدرة على إنجاز المعاملات.
أعادت تقارير نُشرت في 19 أكتوبر الحديث عن تهديدات منسوبة إلى الحرس الثوري الإيراني باستهداف سبعة كابلات تمر عبر مضيق هرمز. وسبقتها تهديدات أطلقها المسؤول الإيراني محسن رضائي شملت الكابلات ومراكز البيانات ومنشآت الذكاء الاصطناعي إذا تجدد القتال المكثف. لكن رقم السبعة لم يتسن التحقق منه من بيان إيراني أصلي متاح، ولا تثبت هذه التهديدات وقوع قطع جديد للكابلات.
الخطر الاقتصادي يستحق النظر حتى مع بقاء التنفيذ احتمالا. فهرمز بوابة لاتصالات دول في الخليج، وتعطيل بعض وصلاته قد يفرض على الشركات كلفة بدائل عاجلة، ويؤخر إتمام أعمال تعتمد على وصول البيانات إلى مكان آخر. حجم الضرر تحدده السعة التي تضيع، والبدائل القابلة للاستخدام، والوقت اللازم للإصلاح.
ما تحت الماء يحدد ما يعمل فوقه
تربط الكابلات البحرية شبكات البلدان ومراكز البيانات، وتنقل القسم الأعظم من البيانات الدولية. اتصال الهاتف لاسلكيا لا يعفيه من هذه البنية؛ فالجزء اللاسلكي ينتهي عند شبكة المشغل، ثم قد تكمل البيانات رحلتها عبر ألياف برية وبحرية.
ومع ذلك، لا يصح التعامل مع هرمز باعتباره مفتاحا واحدا للإنترنت العالمي. ففي حصر فني منشور في مارس 2026، كانت الأنظمة العاملة العابرة للمضيق تشمل AAE-1 وFALCON وGulf Bridge International. هذا حصر مؤرخ، وليس إثباتا لعدد الأنظمة العاملة اليوم، لكنه يوضح ضرورة التمييز بين الكابلات القائمة والمشروعات المخططة والفروع المختلفة للنظام نفسه.
كما أن الممرات الرئيسية بين أوروبا وآسيا تعبر البحر الأحمر. لذلك لا يؤدي اضطراب هرمز وحده تلقائيا إلى فصل القارتين رقميا. ويتفاوت تعرض دول الخليج: تمتلك الإمارات ميزة اتصال عبر الفجيرة المطلة على خليج عمان خارج المضيق، وللدول أيضا وصلات برية بديلة بدرجات مختلفة.
وعدد الكابلات وحده لا يقيس الخطر. فالأنظمة تختلف في قدرتها على نقل البيانات، والسعة التصميمية ليست كلها مجهزة للتشغيل، كما أن السعة المشغلة ليست كلها خالية لاستقبال حركة إضافية. قد يبدو البديل كبيرا على الورق بينما لا يوفر الحيز المطلوب وقت الأزمة.
الانقطاع قد يبدأ على هيئة بطء
عندما يتعطل مسار، تستطيع الشبكات نقل البيانات عبر طرق أخرى. إذا كانت هذه الطرق جاهزة وتملك سعة كافية، فقد يكون الأثر محدودا. وإذا كانت أطول أو مزدحمة، ترتفع مدة الاستجابة أو تضيع بعض حزم البيانات، فتتراجع جودة الخدمة رغم استمرار الاتصال.
شهدت المنطقة مثالا على ذلك بعد أعطال كابلات البحر الأحمر في سبتمبر 2025. أظهرت قياسات للشبكات ارتفاع زمن انتقال البيانات بنحو 20% بين نيودلهي ولندن، وبنحو 30% بين مومباي وفرانكفورت على مسارات محددة. هذه ليست نسبة زيادة عامة لكل المستخدمين، لكنها تكشف أن استمرار تدفق البيانات لا يعني استمرار الأداء المعتاد.
وأظهرت قياسات أخرى تأثر وصلات بين مناطق للحوسبة السحابية، منها البحرين وسنغافورة وقطر والهند. وجود التطبيق في سحابة كبيرة لا يلغي حاجته إلى بنية اتصال مادية بين المستخدم والخادم، أو بين خوادم التطبيق نفسه.
اقتصاديا، قد يكون البطء مؤثرا حين تتطلب الخدمة سلسلة استجابات متتابعة. فإتمام شراء قد يستلزم اتصالا بالمتجر، ومزود الدفع، والبنك، وخدمة التحقق من الاحتيال. إذا تأخرت إحدى الحلقات أكثر مما يسمح به النظام، قد تفشل العملية حتى لو ظلت الحلقات الأخرى متاحة.
هذا تفسير لمسار ضرر محتمل، وليس وصفا لتعطل ثبت وقوعه بسبب تهديدات أكتوبر. وهو أيضا سبب صعوبة قياس الأزمة من عدد المواقع التي ما زالت تفتح وحده.
من الدفع إلى الشحن.. كيف تنتقل الكلفة؟
المدفوعات أولى نقاط الاحتكاك المحتملة. تأخر الاستجابة قد يربك التحقق من العملية أو يدفع المستخدم إلى تكرار المحاولة، ثم تحتاج المؤسسة إلى مطابقة السجلات وتسوية الحالات المعلقة. لكن تعطل الوصول إلى خدمة مصرفية لا يعني ضياع الأرصدة أو تلف السجلات، ولا يعني أن كل المدفوعات المحلية تعتمد على المسار البحري المتضرر.
يتوقف الأثر على تصميم الخدمة وموقع أنظمتها وبدائل اتصالها. وقد تستمر منظومة دفع محلية بينما تتعثر خدمة أخرى تحتاج إلى مزود خارجي. لهذا تكون معرفة الاعتماد الفعلي لكل خدمة أهم من إعلان عام بأن «البنوك تعمل» أو «البنوك توقفت».
وفي التجارة الإلكترونية، قد يدفع فشل الدفع عميلا إلى مغادرة المتجر. بعض المشتريات يعود لاحقا، وبعضها ينتقل إلى منافس يستطيع إتمام البيع. ولا تتساوى خسارة عملية تأجلت مع خسارة عميل غادر نهائيا؛ الخلط بينهما يضخم تقديرات الضرر.
وتظهر قناة أخرى في الخدمات اللوجستية. فالسلعة تحتاج إلى حركة مستندات وتعليمات وتحديثات بين المرسل والناقل والمشتري. وإذا تعطلت التطبيقات المعنية، قد يتأخر اعتماد طلب أو تعديل شحنة أو إصدار مستند. هذا أثر تشغيلي محتمل، وليس دليلا على توقف الموانئ أو الملاحة تلقائيا عند انقطاع كابل.
أما الشركات التي تدير المبيعات والمخزون وخدمة العملاء عبر تطبيقات مستضافة خارجيا، فقد تواجه ساعات عمل أقل إنتاجية أو تلجأ إلى إجراءات يدوية. وتختلف قدرتها على الاحتمال بحسب ما تستطيع تشغيله محليا، وما يمكن تأجيله، وما يتطلب اتصالا فوريا لا غنى عنه.
تتوزع الفاتورة بذلك بين مبيعات لا تتم، وعمل يحتاج إلى إعادة، ووقت موظفين يستهلكه التعامل مع الاستثناءات. وقد تبقى الخدمة متاحة طوال الأزمة، لكنها تصبح أكثر كلفة على الشركة وأقل موثوقية للعميل.
السحابة والبدائل لا تلغيان الجغرافيا
يمكن للمحتوى المخزن قرب المستخدم أن يخفف الضغط على الاتصالات الدولية. لكن عرض صفحة محفوظة محليا يختلف عن إتمام معاملة تتطلب قراءة رصيد أو تسجيل طلب جديد في نظام بعيد. ولهذا قد تظهر الصفحة بسرعة بينما تتعطل الوظيفة التي يأتي منها الإيراد.
وبالمثل، تساعد استضافة البيانات محليا في تقليل بعض الاعتماد على الخارج، لكنها لا تجعل التطبيق مستقلا بالضرورة. فقد يحتاج إلى خدمة تحقق أو برنامج أو اتصال بمقر إقليمي في بلد آخر. الاستمرارية تتعلق بمسار الخدمة كاملا.
وتوفر الأقمار الصناعية خيارا مهما للوصول إلى مواقع بعيدة أو دعم احتياجات مختارة. لكنها ليست بديلا فوريا مكافئا لكل حركة البيانات التي تحملها الألياف البحرية، من حيث السعة والكلفة. كما يتطلب استخدامها تجهيزات وخدمة متاحة فعليا، لا مجرد وجود تغطية فوق المنطقة.
هنا يظهر فرق بين شراء اشتراكين وامتلاك مسارين مستقلين. قد يتعامل العميل مع شركتين، بينما تشترك خدمتهما في جزء من البنية الأساسية. وإذا أصيب هذا الجزء، لا يمنح تعدد الفواتير الحماية التي توقعها.
وتؤكد مبادئ المرونة التشغيلية المصرفية أهمية حصر الروابط الداخلية والخارجية للخدمات الحرجة، واختبار استمرارها في سيناريوهات تعطل شديدة ومعقولة. وفي حالة الكابلات، يعني ذلك اختبار ما يمكن إنجازه بعد فقد مسار، لا الاكتفاء بوجود عقد لاتصال احتياطي.
مدة الإصلاح قد تصنع معظم الفاتورة
الأعطال البحرية ليست نادرة؛ تسجل الصناعة عادة نحو 150 إلى 200 عطل سنويا حول العالم، وترتبط أسباب كثيرة بالصيد والمراسي. لكن وقوع العطل في منطقة نزاع يضيف عوائق تتجاوز العمل الفني.
فإصلاح الكابل يحتاج إلى سفينة متخصصة وتصاريح وإمكانية العمل بأمان. وقد تكون هناك قدرة على نقل الحركة إلى بدائل بسرعة، بينما يتأخر استرجاع المسار الأصلي. عندها تبقى الشبكة عاملة، لكنها أقل تحملا لعطل إضافي.
وشهد البحر الأحمر فترات إصلاح امتدت أشهرا في حوادث سابقة. لا يمكن تحويل تلك المدد إلى توقع جاهز لهرمز، لكنها تبيّن لماذا يدخل أمن الوصول والتصاريح في حساب الخطر الاقتصادي بقدر دخول طبيعة العطل نفسه.
إذا استمرت الأزمة، قد تحتاج شركات الاتصالات إلى شراء سعات إضافية، وتحتاج الشركات المستخدمة إلى وصلات احتياطية أو ترتيبات تشغيل بديلة. هذه نفقات محتملة لاستمرار الأعمال، ولا تعني بالضرورة ارتفاع أسعار اشتراكات الأفراد فورا؛ انتقالها إلى العميل يتوقف على العقود والمنافسة وطول الاضطراب.
كما أن غياب عطل جديد لا يجعل التهديد بلا أثر. فقد تختار مؤسسة دفع ثمن مسار إضافي قبل وقوعه. إنها تشتري قدرة على الاستمرار، وتتحمل تكلفة اليوم لتقليل احتمال خسارة أكبر غدا.
فاتورة لا يمكن اختصارها في رقم كبير
لا تتوافر بيانات علنية كافية لتقدير موثوق لخسائر سيناريو استهداف كابلات هرمز. المطلوب معرفة حركة البيانات الفعلية على الأنظمة المتضررة، والسعة البديلة، والخدمات التي تعتمد عليها، ونطاق التباطؤ أو الانقطاع ومدته.
ولا يصح ضرب قيمة الاقتصاد الرقمي في ساعات الاضطراب ثم اعتبار الناتج خسارة محققة. فبعض الأعمال يستمر محليا، وبعض المعاملات يتأجل، وبعضه يفقد نهائيا. وكذلك لا تعادل قيمة المدفوعات التي تعبر شبكة ما مقدار الخسارة الاقتصادية إذا تعطلت؛ مبلغ التحويل ليس إيرادا جديدا للاقتصاد في كل مرة يتحرك فيها.
تبدأ قراءة الضرر من المعاملات التي فشلت فعلا، والإنتاج الذي لم يمكن تعويضه، ونفقات الاستجابة الإضافية. ثم يُنظر في أثر أوسع على العملاء والعقود وقرارات الاستثمار، مع فصل ما وقع عما لا يزال احتمالا.
والتحول الأهم الذي يكشفه التهديد هو أن اختيار موقع مركز بيانات أو مقر أعمال لا ينتهي عند الكهرباء والأرض والضرائب. يحتاج النشاط الرقمي أيضا إلى طرق متعددة يستطيع الوصول عبرها إلى عملائه، وقدرة مثبتة على مواصلة الخدمة حين يفقد أحدها.
في هرمز، تتحدد الكلفة المحتملة بالفارق بين شبكة تجد طريقا بديلا وشبكة تملك بديلا لا يكفيها. وكلما طال الإصلاح، ارتفع الثمن الذي تدفعه الشركات للحفاظ على هذا الفارق.




