يمكن أن تعود السفينة إلى الإبحار بعد أسابيع من الانتظار، لكن المحصول لا يستعيد بالضرورة الأسابيع التي خسرها. هذه هي الحلقة الأخطر في انتقال اضطرابات مضيق هرمز إلى الغذاء: وصول السماد بعد موعد استخدامه قد ينقذ الشحنة، لكنه لا يعوّض بالكامل إنتاج الموسم.
وفي 15 أكتوبر، قال ألفارو لاريو، رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية، إن آثار اضطراب الشحن بدأت تظهر على المحاصيل. فالمخزونات خففت الصدمة الأولى، لكن استمرار عدم اليقين دفع مزارعين إلى تقليل استخدام الأسمدة والتريث في الزراعة.
التحدي يتجاوز ارتفاع فاتورة الواردات. فحين تتغير قرارات المزارعين اليوم، قد يتغير حجم الغذاء المتاح بعد أشهر، وتستمر الضغوط حتى لو تحسنت حركة الملاحة.
السماد يصل قبل الغذاء
قبل الحرب، كان نحو ثلث اليوريا المتداولة عالميًا يمر عبر هرمز، إلى جانب قرابة نصف الكبريت المنقول بحرًا. واليوريا سماد نيتروجيني واسع الاستخدام، بينما يدخل الكبريت في تصنيع الأسمدة الفوسفاتية. لذلك يصل أثر الممر إلى حقول لا تقع بالقرب منه، وإلى مصانع أسمدة تعمل خارج الخليج.
وتضيف الطاقة مسارًا آخر للضغط. فالغاز مادة أساسية في صناعة الأسمدة النيتروجينية، والوقود يدخل في تشغيل الآلات والري والحصاد، ثم نقل المحصول وتبريده وتصنيعه. وقد تواجه المزرعة ارتفاعًا في عدة تكاليف في الوقت نفسه، قبل أن تبيع أول طن من إنتاجها.
هذا يضع المزارع أمام قرار صعب: شراء المدخلات الأغلى وتحمل مخاطرة استرداد تكلفتها عند الحصاد، أو خفض الإنفاق بما قد يقلل الإنتاج. وتصبح المساحة المزروعة وكمية السماد قرارات مرتبطة بالسيولة المتاحة، إلى جانب حاجة الأرض والمحصول.
لماذا لا تكفي عودة الأسعار إلى الهدوء؟
لا تتحرك سوق الأسمدة كلها في اتجاه واحد. ففي نهاية أغسطس، عادت أسعار اليوريا إلى مستويات بداية العام بعد قفزتها خلال الربيع، مع زيادة إمدادات من خارج الخليج وتراجع الطلب الموسمي. في المقابل، ظلت أسعار بعض الأسمدة الفوسفاتية أعلى بنحو 25% إلى 30% من مستويات ما قبل اضطراب المضيق.
وقد عوّض موردون بدلاء جزءًا من الشحنات المتعطلة. وتشير بيانات تجارة مستندة إلى واردات 77 جهة مُبلّغة إلى تراجع صادرات مجموعة من الأسمدة النيتروجينية بنحو 9% خلال النصف الأول من 2026 مقارنة بالفترة نفسها من 2025.
توضح هذه الأرقام أن تعطل الممر لم يتحول إلى اختفاء كامل للإمدادات. لكنها تكشف أيضًا حدود التعويض: البديل المتاح لليوريا قد لا يحل نقص الكبريت اللازم لمصنع فوسفات، وانخفاض السعر العالمي لا يعني أن الشحنة وصلت إلى المزارع في الوقت المناسب.
فالأسمدة تُستخدم في مراحل محددة من نمو النبات. وإذا انقضت المرحلة قبل وصولها، لا يكفي توافرها لاحقًا لاستعادة الإنتاجية المفقودة. وبذلك قد تتزامن أسعار أكثر هدوءًا مع محصول يتحمل أثر نقص وقع قبل أشهر.
من الحقل إلى فاتورة الطعام
ارتفاع تكلفة الزراعة لا ينتقل فورًا وبالنسبة نفسها إلى المستهلك. فقد تمتص المخزونات والعقود القائمة جزءًا من الصدمة، وقد يتحمل المزارع أو المصنع جزءًا منها في صورة هامش ربح أقل. لكن استمرار الضغط يضيّق القدرة على الامتصاص، خصوصًا إذا تزامن مع تراجع الإنتاج.
وفي سبتمبر، ارتفع المؤشر العالمي لأسعار الغذاء 1.5% عن أغسطس، بينما صعد مؤشر الحبوب 5.1%. غير أن تحميل هرمز وحده مسؤولية هذه الزيادة سيكون مضللًا؛ فقد ساهمت أيضًا قيود الشحن في البحر الأسود ومشكلات الطقس والإنتاج في تحريك الأسواق.
وحتى هذه الزيادة لا تعني أن أسعار كل الأغذية ترتفع معًا. ففي الشهر نفسه تراجعت أسعار اللحوم عالميًا، وبقيت منتجات الألبان شبه مستقرة. كما تقيس المؤشرات الدولية أسعار السلع المتداولة، لا فاتورة متجر بعينه.
وتتفاوت القدرة على تحمل الصدمة. فالمزارع الذي يملك تمويلًا ومخزونًا يستطيع الحفاظ على مدخلاته مدة أطول، بينما قد يضطر الأقل سيولة إلى تقليصها. وتواجه الدول المعتمدة على الاستيراد ضغطًا إضافيًا حين تجتمع تكلفة الغذاء والطاقة والنقل، وتكون الأسر الأقل دخلًا أكثر حساسية لأي زيادة.
إنقاذ الموسم قبل تعويض النقص
لهذا تتركز إحدى محاولات احتواء الأزمة على إعادة تدفق الأسمدة والمواد المرتبطة بها. فقد أعدت الأمم المتحدة آلية لعبور آمن ومنظم عبر هرمز، لكنها ظلت تحتاج إلى اتفاق الأطراف لتفعيلها. وحذّر المسؤول الأممي خورخي موريرا دا سيلفا في 14 أكتوبر من أن التأخير قد يفوّت موسم الزراعة في مناطق معرضة للخطر.
وهذا يفسر أولوية حماية مدخلات الإنتاج إلى جانب شراء الغذاء الجاهز. فتمويل وصول السماد إلى المزارع في موعده يساعد على حماية المحصول المقبل، بينما يأتي تعويض نقص الغذاء بعد وقوعه بتكاليف إضافية على المستوردين وبرامج الدعم.
وتشمل الاستجابة الأوسع تنويع الموردين والمسارات، وتقوية التخزين، ومساعدة المزارعين على شراء المدخلات، وتجنب قيود التصدير التي تنقل النقص بين الدول. لكن نجاح البدائل يُقاس بوصول الشحنة إلى الحقل في موعدها، وليس بتوقيع عقد شراء فقط.
وما ينبغي مراقبته الآن هو انتظام شحنات الأسمدة، وكمياتها المستخدمة، والمساحات المزروعة، ثم نتائج الحصاد. فاختبار الأمن الغذائي يتوقف على قدرة المزارع على إكمال موسمه، بقدر ما يتوقف على قدرة السفينة على عبور المضيق.




