قد تحمل علبة الدواء اسم مصنع إيراني، لكن وصولها إلى المريض لا يزال يتوقف على معاملات تجري خارج البلاد: شراء مادة خام، وتسديد فاتورة بالعملة الأجنبية، وتأمين طريق للشحن. حين تتعطل هذه الحلقات، لا يعود وجود المصنع وحده ضمانة لاستمرار العلاج أو استقرار سعره.
هذه هي المفارقة التي تكشفها أزمة الدواء الإيرانية. فقد رصدت أسوشيتد برس ارتفاعات حادة في أسعار أدوية وصعوبة العثور على بعض العلاجات، تحت ضغط الحصار البحري الأميركي وتشديد العقوبات. لكن القفزات التي تطال أصنافا محددة لا تمثل مؤشرا شاملا لأسعار الدواء، كما أن صعوبات الصيدليات لا تعني بالضرورة نفاد إمدادات المستشفيات كلها.
السؤال الاقتصادي الأعمق هو كيف تتحول صناعة محلية واسعة إلى قطاع عاجز عن عزل المريض عن صدمات التجارة والتمويل. الإجابة تبدأ من الفرق بين تصنيع العلبة داخل الحدود وامتلاك القدرة على تجديد كل ما تحتاجه لإنتاجها، ثم تمويل وصولها إلى المستهلك.
كم من الدواء المحلي يأتي من الخارج؟
تظهر دراسة منشورة في دورية BMC Health Services Research عام 2024 أن الأدوية المصنعة محليا كانت تتجاوز 95% من حجم المبيعات في إيران، استنادا إلى البيانات التي استعرضتها. لكنها تشير أيضا إلى استمرار الاعتماد على مواد خام مستوردة. هذه نسبة تاريخية لحجم المبيعات، وليست تقديرا للإنتاج خلال الأزمة الحالية.
وتكمن أهمية التمييز في أن كثرة العبوات المحلية لا تكشف وحدها مواطن الضعف. فقد تكون المادة المستوردة محدودة الوزن أو القيمة مقارنة بالمنتج النهائي، ومع ذلك يتوقف عليها إنتاجه بالكامل. امتلاك القدرة على تحويل المدخلات إلى دواء يختلف عن القدرة على تأمين المدخلات باستمرار.
اقتصاديا، قد تكون نقطة الاختناق في مكون واحد لا يتوافر له بديل سريع. ولهذا يصبح قياس الأمن الدوائي بعدد المصانع أو نسبة العبوات المحلية وحدهما مضللا. السؤال الأكثر فائدة هو: أي أدوية سيتوقف إنتاجها إذا تعذر شراء مدخل بعينه، وكم يستغرق تأمين مصدر آخر؟
هذا الضعف سبق الحرب الحالية. فدراسة نشرتها المجلة الصحية لشرق المتوسط عام 2018، تناولت أدوية للأمراض غير السارية خلال فترة عقوبات سابقة، ربطت تأثر توافر الأدوية بدرجة اعتمادها على الواردات والمعاملات الخارجية. وهي لا تقيس أزمة اليوم، لكنها توضح لماذا لا تلغي الصناعة المحلية أثر القيود المصرفية والتجارية.
لماذا لا يكفي إعفاء الدواء من العقوبات؟
توضح وزارة الخزانة الأميركية أن نظام العقوبات يتضمن تراخيص واستثناءات واسعة لتجارة الغذاء والدواء والمستلزمات الطبية مع إيران. لكنها تربط السماح بالمعاملات بشروط، منها الأطراف المشاركة والعقوبات الأخرى التي قد تنطبق عليها. لذلك لا يصح وصف كل تجارة دوائية بأنها محظورة، أو اعتبار كل معاملة مرتبطة بالدواء مسموحة تلقائيا.
وتبقى بين السماح القانوني وتنفيذ الصفقة مسافة عملية: يحتاج المورد إلى تحصيل ثمنه، ويحتاج المشتري إلى وسيلة دفع، وتحتاج الشحنة إلى ناقل ومسار متاح. وجود الاستثناء لا ينشئ بمفرده هذه الخدمات.
وفي تقرير حديث، رصدت فايننشال تايمز كيف تعقد قيود الموانئ واضطراب الرحلات الجوية استيراد الأدوية ومكوناتها وتسديد قيمتها. ونقلت عن صيادلة تحذيرات من اتساع النقص.
ومن هنا يمكن فهم اختلاف أثر القيود بين مصنع وآخر، وصنف وآخر. فالشركة التي تملك مخزونا أو موردا ومسارا بديلا تستطيع الاستمرار مدة أطول. أما التي تحتاج إلى شراء مكون حاسم فورا، فقد تواجه توقفا حتى لو كانت بقية مستلزمات الإنتاج متاحة. النتيجة المحتملة هي سوق تتفاوت فيها وفرة الأصناف بشدة، لا نقص متساو في كل شيء.
كيف يتحول ارتفاع التكلفة إلى نقص في التمويل؟
حين ترتفع تكلفة استبدال المخزون، لا تواجه الشركة مشكلة هامش الربح فقط. إنها تحتاج إلى مال أكثر لشراء الكمية نفسها. وإذا طال انتظار الشحنة، تبقى الأموال مرتبطة بصفقة لم تتحول بعد إلى مبيعات.
ولتوضيح الآلية، إذا كانت صيدلية تحتاج إلى مئة وحدة نقدية لتجديد مخزون معين، ثم ارتفعت تكلفته إلى مئتين، فإن الاحتفاظ بالعدد نفسه من العبوات يتطلب مضاعفة التمويل. هذا مثال حسابي، وليس تقديرا لارتفاع أسعار السوق الإيرانية.
وقد يصل الضغط إلى المريض حتى عندما يظل الدواء متاحا لدى المورد. فالمشكلة تصبح قدرة الصيدلية على شرائه قبل تحصيل مستحقاتها. وقد وثقت دراسة BMC، اعتمادا على تحليل تغطيات إيرانية سابقة، أن تأخر تعويضات التأمين يضعف القوة الشرائية للصيدليات.
ويعني ذلك أن ضخ شحنة جديدة لا يضمن وحده وصولها إلى الرفوف. إذا لم تتحرك المدفوعات بين التأمين والصيدليات والموزعين، فقد تبقى حلقة التوزيع عاجزة عن تمويل الكميات المطلوبة. وعندما تتزامن هذه المشكلة مع زيادة تكلفة الواردات، يصبح القطاع مطالبا بتمويل أكبر في اللحظة التي تتباطأ فيها عودة أمواله.
من يتحمل فاتورة حماية المريض؟
تزداد أهمية التأمين لأن إيران بدأت في 2022 إصلاحا لنقل جانب من دعم الدواء من سعر الصرف الممنوح للمنتجين والمستوردين إلى التغطية التأمينية. الفكرة أن ترتفع الأسعار المعتمدة، بينما يتحمل التأمين الفرق لحماية المريض، مع تقليل فرص الاستفادة غير المشروعة من العملة المدعومة.
لكن نجاح الفكرة يعتمد على شمول التغطية وقدرتها على تحمل التكلفة. دراسة منشورة في نوفمبر 2023 وجدت أن 17 صنفا من قائمة الأدوية الأساسية التي قيمتها أصبحت غير ميسورة وفق منهجها، وأن غير المؤمن عليهم كانوا أكثر تعرضا لتراجع القدرة على الشراء بعد تغيير الدعم.
النتيجة الاقتصادية أن نقل الدعم يغير موضع الخطر. فبدلا من تركيز الحماية عند شراء المدخلات، تصبح مرتبطة بما يغطيه التأمين وما يدفعه بالفعل. وفي أوقات الغلاء، لا يكفي أن يكون العلاج مدرجا ضمن التغطية إذا اتسعت الفجوة بين تكلفته والتمويل المتاح.
هنا تواجه السياسة العامة اختبارا مزدوجا: الحفاظ على قدرة المنتج والصيدلية على مواصلة العمل، وحماية الأسرة من دفع زيادة لا تتحملها. تثبيت سعر للمريض يحتاج إلى جهة تمول الفرق، وإلا انتقل الضغط إلى طرف آخر في سلسلة التوريد.
أزمة إيران تكشف أن الاكتفاء الدوائي قدرة على استمرار دورة كاملة: شراء المدخلات، وتصنيعها، وتوزيعها، وتسديد ثمنها. وكلما طال اضطراب هذه الدورة، قل ما تستطيع نسبة التصنيع المحلي أن تخبرنا به عن أمن العلاج. بالنسبة إلى المريض، المقياس الحاسم يظل أبسط: هل يجد دواءه في موعده، وهل يستطيع دفع ثمنه؟




