في الثالث من أكتوبر، وصل سعر الدولار في السوق الإيرانية الحرة إلى نحو 2.688 مليون ريال، بعدما فقدت العملة أكثر من نصف قيمتها خلال عام. وفي اليوم التالي، أعلن الجيش الإيراني العمل على زيادة مدى صواريخه. صورتان متزامنتان لبلد يواجه ضغطًا متصاعدًا على موارده، ويتمسك في الوقت نفسه بأدوات المواجهة.

لكن استمرار البرامج العسكرية لا يخبرنا كثيرًا عن قدرة الأسر على شراء احتياجاتها أو المصانع على تمويل إنتاجها. فالدولة تستطيع مواصلة بعض أولوياتها بينما تتدهور أحوال قطاعات واسعة من الاقتصاد. ومع تضييق منافذ النفط والتجارة، تنتقل كلفة الاستمرار إلى الداخل عبر عملة أضعف وواردات أغلى ومساحة أقل للاستثمار.

النفط لا يكفي إذا تعذر تحصيل ثمنه

تختلف العقوبات المالية عن الحصار البحري، وإن تداخل أثرهما. الأولى تعرقل التعامل مع البنوك والشركات وتحويل المدفوعات، والثاني يقيد حركة السفن والبضائع نفسها. واجتماعهما يجعل امتلاك النفط أقل فائدة إذا تعذر شحنه أو استخدام عائداته في شراء ما يحتاجه الاقتصاد.

ولذلك، لا يمكن اختزال الأزمة الإيرانية في سعر برميل النفط. ارتفاع السعر العالمي لا يعوض تلقائيًا تراجع الكميات التي تستطيع إيران بيعها، ولا يحل صعوبة الوصول إلى الإيرادات. ما تحتاجه السوق المحلية هو عملة أجنبية متاحة للسداد، وليس مجرد احتياطيات نفط تحت الأرض.

في الأول من أكتوبر، قالت وزارة الخزانة الأمريكية إن إيرادات النفط الإيرانية هبطت إلى الصفر بفعل الحصار. هذا توصيف أمريكي ينبغي التعامل معه بوصفه موقفًا لأحد أطراف المواجهة، لا كشفًا مستقلًا بكل التدفقات الإيرانية. وفي المقابل، يرفض محافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي توقعات الانهيار، ويؤكد استمرار توفير النقد الأجنبي.

وتبقى الفجوة بين بيع سلعة والحصول على حصيلتها قابلة للاستخدام حاسمة: يمكن للاقتصاد أن يحتفظ بإنتاجه، لكنه يواجه اختناقًا إذا لم يستطع تمويل المواد والمعدات التي يحتاجها لاستمرار ذلك الإنتاج.

إنقاذ الريال ينافس احتياجات الاستيراد

بدأت البنوك الحكومية بيع عملات أجنبية ضمن تدخل معلن يصل إلى ملياري دولار لدعم الريال. ويمكن لهذا التدخل تهدئة الطلب مؤقتًا، لكن أثره يتوقف على استمرار دخول موارد جديدة، لا على حجم المبلغ المعلن وحده.

فحين يقل تدفق النقد الأجنبي، تصبح كل دفعة مخصصة لحماية العملة جزءًا من مفاضلة أوسع تشمل الاستيراد وسداد الالتزامات. وإذا أنفقت السلطات من موارد لا تتجدد بالسرعة نفسها، فإنها تشتري وقتًا دون أن تزيل سبب الضغط.

وقال همتي في السادس من أكتوبر إن إيران وفرت نحو 24.9 مليار دولار منذ بداية السنة الإيرانية في مارس، مقابل 28 مليارًا خلال الفترة المقابلة من السنة السابقة. وهذه أموال قال إنها وُفرت خلال فترة، وليست قيمة الاحتياطيات المتبقية لدى البنك المركزي؛ لذلك لا تسمح بحساب موعد لنفاد الدولار.

بالنسبة إلى الأسرة التي تتقاضى دخلها بالريال، تظهر المشكلة في الأسعار. تراجع العملة يرفع كلفة السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج الأجنبية، وقد يمتد إلى منتجات محلية تعتمد عليها. وإذا لم تلحق الأجور بهذه الزيادة، تنكمش المشتريات حتى لو ظل الراتب الاسمي ثابتًا.

أما شراء الدولار أو الذهب لحماية المدخرات، فيتيح لبعض الأسر تقليل تعرضها لتراجع العملة. لكنه يظل خيارًا مرتبطًا بامتلاك فائض مالي، بينما تواجه الأسر التي تنفق معظم دخلها على الضروريات ارتفاع الأسعار بقدرة أقل على الاحتمال.

الضغط يتجاوز النفط إلى المصنع

وسعت واشنطن في الأول من أكتوبر استهدافها ليشمل قطاعي السيارات والسكك الحديدية وشركات موردة لهما. وطالت الإجراءات «إيران خودرو» و«سايبا»، وهما الشركتان اللتان تستحوذان، وفق الخزانة الأمريكية، على أكثر من 90% من سوق السيارات المحلية.

تكشف هذه الخطوة اتساع الضغط إلى قطاعات تنتج سلعًا وتشغل عمالًا وتنقل بضائع. فالسكك الحديدية تمثل منفذًا للتجارة حين تتعطل الطرق البحرية، والمصانع تحتاج إلى قطع ومكونات ومدفوعات خارجية حتى لو كان المنتج النهائي يحمل علامة محلية.

والأثر المحتمل لا يقتصر على انخفاض المبيعات. تعطل توريد قطعة أو تعقد الدفع قد يؤخر الإنتاج، ويرفع كلفة التخزين والتمويل، ويدفع الشركة إلى تقليص نشاطها. لذلك قد يصل الضغط إلى دخل العامل وقدرة المصنع على البقاء قبل أن يظهر كاملًا في أرقام النمو.

الصواريخ لا تقيس صحة الاقتصاد

أعلن متحدث الجيش الإيراني في الرابع من أكتوبر أن بلاده تعمل على زيادة مدى صواريخها. الإعلان يوضح استمرار أولوية التطوير العسكري، لكنه لا يثبت حجم الإنفاق الجديد أو سرعة التنفيذ، ولا يكشف مقدار الموارد المتاحة لبقية الاقتصاد.

وقبل ذلك بأيام، فرضت واشنطن عقوبات على 13 فردًا وكيانًا، قالت إنهم ساعدوا إيران في الحصول على أسلحة ومكونات. استمرار استهداف تلك الشبكات يعكس سعيًا لتعطيل إعادة بناء القدرات العسكرية، لكنه لا يقدم بمفرده حكمًا على نجاح هذا المسعى.

لا توجد في هذه المعطيات موازنة تفصيلية تسمح بالقول إن كل تراجع في معيشة الإيرانيين يقابله إنفاق محدد على الصواريخ. لكنها تظهر أن استمرار الاستعداد للمواجهة يمكن أن يتزامن مع خسارة المواطنين جزءًا من قوتهم الشرائية.

ما سيحدد عمق الأزمة هو قدرة إيران على تجديد مواردها من النقد الأجنبي، واستمرار وصول مستلزمات الإنتاج، واستقرار الريال بعد التدخلات. فبقاء مؤسسات الدولة عاملة لا يعني أن الأسر والشركات تحتفظ بالمستوى نفسه من الدخل والاستهلاك والاستثمار.