قد يتوافر النفط في الخزانات، ويجد مشتريا يريد شراءه، ثم يعجز عن التحول إلى إيراد لأن الناقلة لا تستطيع المغادرة. هذا هو التحول الذي يفرضه الحصار الأمريكي على تجارة الخام الإيراني: القدرة على التسليم أصبحت أهم من القدرة على الإنتاج أو تقديم سعر مغر.

وتشير تقديرات تتبع الشحنات إلى توقف صادرات الخام الإيرانية البحرية منذ الأسبوع الثاني من سبتمبر، واستمرار ذلك حتى 5 أكتوبر. وفي المقابل، تجاوزت تدفقات النفط والوقود من دول الخليج، باستثناء إيران، 81% من مستويات ما قبل الحرب خلال سبتمبر. والمفارقة أن تعافي الإمدادات المحيطة بطهران يمكن أن يخفف نقص السوق، بينما يزيد صعوبة استعادة موقعها لدى المشترين.

حين لا يكفي خفض السعر

لسنوات، جذبت الأسعار المخفضة للخام الإيراني مصافي صينية مستقلة، واستمرت التجارة عبر وسطاء وترتيبات نقل وتسوية معقدة رغم العقوبات. كان المشتري يوازن بين الوفر الذي يحققه ومخاطر التعامل مع شحنة خاضعة للقيود.

الحصار البحري يغير هذه الموازنة. فالخصم يستطيع تعويض تكلفة إضافية، لكنه لا يضمن وصول برميل تمنع الناقلة من نقله. وعندما تتعطل الشحنات، تحتاج المصفاة إلى بديل يحافظ على تشغيل وحداتها، حتى لو كان أقل جاذبية من حيث السعر.

لذلك، قد تتجاوز خسارة إيران قيمة الشحنات المتوقفة إلى علاقتها التجارية بالمشتري. فإذا اعتاد الأخير موردا آخر، ورتب معه النقل والتمويل ومواعيد التسليم، فقد تحتاج العودة الإيرانية لاحقا إلى شروط أكثر تنافسية. هذا احتمال تجاري تزداد أهميته كلما طال الانقطاع، وليس تحولا دائما ثبت اكتماله.

مخزون موجود وإيراد ينتظر

بلغ الخام الإيراني الموجود على الناقلات نحو 83 مليون برميل، بينها 43 مليونا عالقة غرب مضيق هرمز. وجود هذه الكمية لا يعني أنها متاحة جميعا للتسليم، كما لا يعني توقف الصادرات الجديدة أن كل الشحنات السابقة توقفت عن الوصول إلى وجهاتها.

التمييز مهم لأن النفط المخزن أصل يمكن بيعه، لكنه لا يعوض تلقائيا تدفق إيرادات متجدد. وقد تواصل شحنات خرجت سابقا طريقها، بينما يتعذر تعويضها بشحنات جديدة. وكلما استمر ذلك، ضعفت قدرة المخزون المتاح خارج نطاق الحصار على تغطية الانقطاع.

وتشكل صادرات النفط مصدرا مهما لإيرادات الحكومة الإيرانية. ومن ثم، فإن استمرار تعطيلها يضغط على الموارد التي تمول بها الإنفاق وتدبير احتياجاتها الخارجية. لكن بيانات حركة الناقلات وحدها لا تكفي لحساب خسارة مالية دقيقة، لأن مواعيد الدفع والأسعار الفعلية وتسويات الشحنات ليست ظاهرة فيها.

المنافسة تنتقل إلى المشتري الصيني

الصين هي السوق الأهم للخام الإيراني، ومصافيها لا تستطيع الانتظار إلى أجل غير محدد. وتقدر فورتيكسا أن الخام الروسي ساعد على سد الفجوة، ما خفف حاجة المشترين الصينيين الملحة إلى البراميل الإيرانية.

وقد يخلق ذلك ضغطا مزدوجا على طهران: صعوبة إخراج النفط، وتراجع حاجة العميل إلى انتظار وصوله. أما المورد الذي يستطيع التسليم، فتتاح له فرصة لبيع كميات إضافية وتعميق علاقته بالمشتري، وإن لم يكن انتقال هذه العلاقة نهائيا.

وتظل البدائل مرتبطة بنوعية الخام وملاءمته للمصفاة وتكلفة نقله. لذلك لا تعني عودة برميل من مصدر آخر أنه يعوض البرميل الإيراني في كل استخدام وبالتكلفة نفسها. ما يتغير هو مساحة الاختيار المتاحة للمشتري، وقدرته على تأمين الإمدادات من دون الاعتماد على مسار واحد.

تعافي التدفقات لا يعني انتهاء الأزمة

بلغ متوسط تدفقات الخام والمكثفات والوقود من دول الخليج السبع المشمولة بالتقديرات 19.2 مليون برميل يوميا في سبتمبر، مقابل 23.6 مليون قبل الحرب. وهذه مقارنة تشمل منتجات متعددة، وليست نسبة تعاف لصادرات الخام وحدها.

كما أن وصول شحنات أكثر لا يضمن عودة تكلفة الطاقة إلى مستوياتها السابقة. فالنقل والتأمين وتعقيدات تحويل الشحنات بين السفن يمكن أن تستهلك جزءا من المكسب الناتج عن تحسن المعروض. بالنسبة إلى المشتري، العبرة بتكلفة البرميل الواصل إلى المصفاة وموعد وصوله.

ولا يعني توقف الخام اختفاء كل صادرات الطاقة الإيرانية. فقد كشفت معلومات منشورة في 16 أكتوبر عن مرور بعض شحنات الغاز البترولي المسال ووقود الطائرات رغم الحصار. لكنها لا تثبت استئناف صادرات الخام.

الاختبار المقبل هو استدامة التسليم: هل تستعيد إيران مسارا منتظما إلى عملائها، أم يرسخ الموردون البدلاء حضورهم؟ وكلما طال الفرق بين نفط موجود ونفط يمكن تسليمه، زاد احتمال أن تتحول أزمة النقل المؤقتة إلى خسارة أطول في الإيرادات والحصة السوقية.