في أواخر سبتمبر، وصف صاحب المطعم في طهران بهنام ريازي مأزقه: البيع بهامش ربح ضئيل. رفع الأسعار قد يبعد زبائن لم يعودوا قادرين على دفع المزيد، وإغلاق المطعم يعني خسارة عمله. هذا المأزق يلخص ما تفعله الحرب بالسوق الإيرانية: ترتفع تكلفة البقاء في النشاط، بينما تتراجع قدرة الناس على تمويله بمشترياتهم.
فالغلاء الذي يستنزف الأسرة يصل إلى صاحب المتجر في صورة مبيعات أضعف. وقد يبقى المحل مفتوحًا والبضاعة معروضة، لكن المسافة بين ما يحتاجه الزبون وما يستطيع شراءه تتسع. ومع استمرار الضغط، يصبح الحفاظ على النشاط نفسه هدفًا يسبق التوسع أو زيادة الأرباح.
أسعار أعلى لا تعني تجارة أفضل
ارتفاع سعر السلعة لا يخبرنا وحده بما يكسبه بائعها. الأهم هو الفرق بين ثمن البيع وتكلفة شراء البضاعة وتشغيل المحل، ثم عدد الوحدات التي تجد مشتريًا. فإذا ارتفعت التكلفة وتراجعت الكميات المباعة معًا، قد تضيق الأرباح حتى لو بدت الأسعار أعلى من أي وقت مضى.
ويواجه التاجر عندها قرارًا صعبًا: تمرير الزيادة كاملة إلى الزبون، مع احتمال خسارته، أو امتصاص جزء منها من هامشه. أما التخفيضات التي تساعد عادة على تنشيط المبيعات، فتصبح أصعب عندما تكون البضاعة البديلة أغلى.
وتفسر هذه الحسابات كيف يتحول تراجع القدرة الشرائية إلى ضغط على استمرار المتاجر. فالنقود التي تدخل الصندوق ليست كلها ربحًا متاحًا لصاحب النشاط؛ يحتاج إلى جزء منها لشراء دفعة جديدة من السلع، وتسديد الإيجار والأجور والمصاريف.
الريال الأضعف يرفع تكلفة البقاء
في 29 سبتمبر 2026، تجاوز سعر الدولار لدى متعاملين في طهران 2.5 مليون ريال، بعد بلوغه 2.2 مليون في الثاني من الشهر نفسه. وهما قراءتان مؤرختان للسوق، وليستا سعرًا رسميًا موحدًا أو تسعيرًا حاليًا لكل الواردات.
تراجع العملة يجعل السلع والمدخلات الأجنبية أعلى تكلفة بالريال، وإن اختلف انتقال الأثر إلى الأسعار بحسب طريقة تمويل الاستيراد. وحتى المنتج المحلي قد يتأثر إذا احتاج إلى مادة خام أو قطعة مستوردة.
وتقدم الأدوية مثالًا واضحًا: تنتج إيران محليًا أكثر من 80% من أدويتها، لكن الصناعة تعتمد على مواد أولية مستوردة. لذلك لا تكفي صفة «محلي» لعزل المنتج عن صعوبة التحويلات أو اضطراب الشحن وارتفاع تكلفته.
بالنسبة إلى المتجر، يعني ذلك أن حصيلة بيع المخزون القديم قد لا تكفي لشراء الكمية نفسها مجددًا. وإذا عجز عن إضافة أموال، فقد يضطر إلى تقليص الكميات أو الأصناف التي يعرضها. هذا خطر مختلف عن نقص البضائع بسبب تعطل الإمداد، لكنه قد ينتهي أيضًا إلى خيارات أقل أمام المستهلك.
تقشف الأسر يعود إلى دخولها
حين تستحوذ الضروريات على حصة أكبر من الدخل، تضيق مساحة الإنفاق على بقية السلع والخدمات. ويصبح تأجيل شراء أو الاستغناء عن وجبة خارج المنزل وسيلة لحماية ميزانية الأسرة، لكنه يسحب في المقابل إيرادًا من نشاط آخر.
وتشير شهادات من القطاع الخاص الإيراني إلى فقدان وظائف تحت ضغط الحرب. هنا يمكن أن يتغذى التراجع على نفسه: ضعف المبيعات يدفع النشاط إلى تقليص مصروفاته، وخسارة الدخل تجعل العامل وأسرته أقل قدرة على الشراء.
ولا تسمح هذه الشهادات بحساب حجم الانكماش في تجارة التجزئة على مستوى البلاد. لكنها تتسق مع توقع البنك الدولي بأن يؤدي التضخم المرتفع وتراجع الدخول الحقيقية إلى إضعاف الطلب المحلي، مع زيادة الفقر بفعل غلاء الغذاء واضطراب الواردات.
ما الذي يعيد الزبون إلى السوق؟
لا تبدأ الأزمة كلها من الحرب الحالية. يقدّر البنك الدولي أن الاقتصاد الإيراني انكمش 2.7% في السنة المنتهية في 20 مارس 2026، وسط عقوبات واضطرابات ومشكلات في الطاقة والمياه. ثم أضاف استمرار القتال وتعطل التجارة أعباء جديدة على اقتصاد ضعيف أصلًا.
ولهذا يحتاج تعافي المتاجر إلى أكثر من استقرار مؤقت للعملة. وصول البضائع بتكلفة يمكن تحملها مهم، وكذلك قدرة الأسر على استعادة دخل يسمح بشرائها. وتحسن أحد الجانبين وحده قد يترك الآخر عالقًا.
والاختبار الأقرب إلى حياة الناس هو زيادة الكميات التي يشترونها، وقدرة التاجر على تجديد مخزونه والاحتفاظ بالعاملين. أما ارتفاع قيمة المبيعات بالريال، فقد يعكس الغلاء وحده. السوق تستعيد عافيتها حين يصبح الشراء ممكنًا للأسرة، والبيع مجديًا لصاحب المتجر.




