قد يستعيد المودع اللبناني جزءا من أمواله نقدا، ويحصل عن جزء آخر على أوراق مالية ينتظر استحقاقها سنوات طويلة. لذلك تتوقف قيمة أي تسوية للودائع على مقدار ما يمكن استخدامه فعليا، وموعد الحصول عليه، والطرف الذي يتحمل الخسارة قبل الوصول إلى المودع.
توقع حاكم مصرف لبنان، كريم سعيد، التوصل إلى توافق مع صندوق النقد الدولي والحكومة بشأن مبادئ قانون الفجوة المالية قبل نهاية 2026، وأبدى أمله في إقراره برلمانيا بحلول منتصف 2027. هذان موعدان مأمولان للتفاوض والتشريع، ولا يعنيان أن الودائع ستصبح متاحة بالكامل عند حلولهما.
خلف هذه المفاوضات قرار سيحدد شكل القطاع المصرفي المقبل: كيف يوزع لبنان خسائر الماضي، مع إبقاء بنوك تستطيع تمويل الاقتصاد في المستقبل؟
أموال مسجلة وسيولة محدودة
تظهر صعوبة التسوية في تقدير عرضه وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط: ودائع بنحو 80 مليار دولار، مقابل سيولة تبلغ 12 مليار دولار. الفارق يفسر الحاجة إلى الجدولة، لكنه لا يصلح وحده لحساب الخسائر النهائية أو نسبة ما سيخسره كل مودع. السيولة تقيس الأموال المتاحة للدفع، بينما يتطلب تقدير الخسائر فحص الأصول والالتزامات وقابليتها للتحصيل.
وقد حدد البساط ثلاث مسائل يجري التفاوض عليها: توزيع الخسائر، ومواعيد إعادة الودائع، ومساهمة الدولة. وهي مسائل مترابطة. فكل زيادة في الدفعات المبكرة تحتاج إلى تمويل، وكل تأجيل ينقل جانبا من الكلفة إلى صاحب المال.
ويطرح سعيد سداد نحو 30% من الودائع نقدا، والباقي بأوراق مالية مدعومة بأصول تتراوح آجالها بين 10 و20 عاما. وتشمل الأصول التي تحدث عنها ممتلكات وحصصا في شركات يمكن بيعها أو تأجيرها. هذا تصور مطروح للتسوية، لا شروط سداد نهائية نافذة.
للانتظار كلفة أيضا
تحويل جزء من الوديعة إلى ورقة مالية يغير طبيعة ما يملكه صاحبها. يصبح استرداد هذا الجزء مرتبطا بتدفقات مستقبلية، وبنجاح إدارة الأصول التي يفترض أن تمول السداد.
بالنسبة إلى أسرة تحتاج إلى مصروفات تعليم أو علاج، تختلف دفعة تصل الآن عن مبلغ مماثل يستحق بعد سنوات. وحتى مع الحفاظ على القيمة الاسمية، تبقى كلفة الانتظار ومخاطر التنفيذ، وأي عائد يمنح للمودع، عناصر حاسمة في تقييم التسوية.
لهذا لا تكفي قائمة الأصول الضامنة لإثبات القدرة على الدفع. العقار يحتاج إلى مشتر أو مستأجر، وحصة الشركة تحتاج إلى عائد قابل للتحويل إلى نقد. وعندما تتباعد مواعيد تحصيل هذه الإيرادات عن الدفعات الموعودة، تظهر فجوة جديدة بين الالتزام والقدرة على الوفاء.
وقد شدد صندوق النقد في فبراير 2026 على ربط إعادة الودائع تدريجيا بالسيولة المتاحة. فالجدول الأقل سخاء، إذا كان قابلا للتنفيذ، قد يمنح المودع يقينا أكبر من جدول مرتفع الدفعات يعتمد على موارد لم تتأكد بعد.
من يخسر قبل المودع؟
يرتبط مقدار ما يسترده المودعون بترتيب تحميل الخسائر. ففي موقفه المعلن في سبتمبر، طالب صندوق النقد بأن يتحمل المساهمون والدائنون الأدنى مرتبة الخسائر قبل المودعين، وأن تحافظ خطة السداد على قابلية المصارف للاستمرار واستدامة الدين العام.
تطبيق هذا الترتيب يجعل رأس مال أصحاب المصارف يتحمل نصيبه قبل المساس بحقوق العملاء. لكنه لا يعني، بمفرده، ضمان استرداد كل وديعة كاملة. النتيجة تعتمد أيضا على حجم الفجوة التي ستثبت بعد التقييم، والموارد التي يمكن توفيرها، وكيفية توزيع الحماية بين أصحاب المطالبات.
أما مساهمة الدولة، فتثير سؤالا آخر: من أين ستأتي الأموال؟ إذا قامت التسوية على التزامات عامة تفوق قدرة الخزينة، فقد تنتقل الكلفة إلى الضرائب أو الإنفاق والخدمات مستقبلا. ولهذا يربط الصندوق مساهمة الدولة بقدرتها على استعادة استدامة الدين، بدلا من إضافة وعود غير قابلة للتمويل.
وتزداد صعوبة هذه المعادلة مع تضرر الاقتصاد من الحرب. ففي أغسطس 2026، توقع البنك الدولي انكماشا بنسبة 6.4% خلال العام، وضغوطا مالية متزايدة بفعل الاحتياجات الإنسانية وإعادة الإعمار وتباطؤ نمو الإيرادات.
استعادة الودائع اختبار لاستعادة البنوك
خسارة الثقة المصرفية تغير طريقة عمل الاقتصاد كله. وقدر البنك الدولي حجم الاقتصاد النقدي الدولاري في لبنان بنحو 45.7% من الناتج المحلي في 2022، بعد انهيار الثقة بالمصارف والعملة. هذا تقدير تاريخي لحجم التحول، وليس قياسا لنسبة التعاملات النقدية اليوم.
وعندما يحتفظ الناس بأموالهم خارج المصارف، تصبح إعادة المدخرات إلى دورة التمويل أصعب. لذلك تحتاج التسوية إلى إقناع المودع بأن البنك قادر على الوفاء، وأن قواعد التعامل مع أمواله واضحة ويمكن الاعتماد عليها.
الاختبار المقبل سيكون في مصادر تمويل الدفعات، وترتيب تحمل الخسائر، وشروط الأوراق المالية، ثم الالتزام الفعلي بالسداد. عندها يستطيع المودع تقييم ما استرده، ويستطيع القطاع المصرفي البدء في استعادة ما فقده من ثقة.




