أثارت شطيرة دجاج بسعر يقارب 13 دولارًا غضبًا في بيروت، ثم واصلت البيع. هذا التزامن يلخص جانبًا من الاقتصاد اللبناني بعد سبع سنوات على انهياره المالي: سوق تستطيع فيها شريحة شراء وجبة مرتفعة الثمن، بينما تضيق ميزانيات أسر أخرى أمام الطعام والسكن والخدمات.

أطلق مطعم «ذا جلو بارادايس» المتخصص في الأطعمة الصحية شطيرة «شيك طاووق»، بنسخة تستهدف المهتمين بالسعرات الحرارية، وبسعر يقارب ضعف ثمن شطيرة الدجاج العادية في بيروت. وقال الشريك الإداري هراغ جيغاليان إن المطعم باع أكثر من 20 ألف شطيرة خلال 11 يومًا، واعتبر النقاش الذي أثارته تسويقًا طبيعيًا.

وراء نجاح المنتج فجوة في القدرة على الدفع. فوجود طلب قوي على سلعة مرتفعة السعر يكشف حجم السوق المتاحة لها، بينما يتحدد التعافي الأوسع بقدرة الناس على شراء احتياجاتهم من دخول مستقرة. وفي لبنان، صار الوصول إلى الدولار أحد أهم الفوارق بين التجربتين.

الدولار يغيّر تجربة الأزمة

أدى اتساع التسعير بالدولار والتعامل بالنقد إلى حماية نسبية لمن يتقاضون دخولًا بالدولار أو تصلهم تحويلات من الخارج. أما الأسر التي تفتقر إلى هذا المورد فتواجه الأسعار نفسها بقدرة شرائية أضعف. وبذلك قد يبدو المنتج الواحد عاديًا في ميزانية أسرة، وباهظًا في ميزانية أخرى.

وتكشف بيانات الفقر عمق الانقسام الذي سبق الجدل الحالي. ارتفعت نسبة الفقر بين سكان المناطق التي شملها المسح من 12% في 2012 إلى 44% في 2022. وشمل النطاق عكار وبيروت والبقاع والشمال ومعظم جبل لبنان، وضم لبنانيين وسوريين وجنسيات أخرى. وبين اللبنانيين وحدهم في هذه المناطق بلغت النسبة 33% في 2022.

مقارنة نسبة الفقر في المناطق اللبنانية المشمولة بالمسح، من 12% عام 2012 إلى 44% عام 2022، وفق تقييم البنك الدولي لعام 2024.
Monetory، بيانات البنك الدولي.

دفعت الأزمة الأسر إلى خفض استهلاك الغذاء والنفقات الصحية وغيرها من المصروفات. وفي المقابل، ساعدت التحويلات الخارجية قسمًا من السكان على تجنب الفقر. لذلك تختلف قدرة الأسر على الصمود بحسب مصدر دخلها، إلى جانب حجمه.

كيف ينجح منتج غالٍ في سوق مأزومة؟

يستهدف المطعم بمنتجه زبائن يبحثون عن مواصفات غذائية وتجربة محددة، ويقبلون دفع علاوة مقابلها. ويسمح هذا التخصص بوجود سوق لمنتج مرتفع الثمن حتى عندما تكون القدرة الشرائية العامة تحت الضغط.

كما أن الجمهور الذي يناقش السعر على وسائل التواصل أوسع من جمهور المشترين الفعليين. ولهذا يمكن أن يتزامن الاعتراض الواسع مع مبيعات قوية لدى الشريحة المستهدفة. وفي حالة «شيك طاووق»، تقول الإدارة إن الجدل منح المنتج دعاية إضافية، لكن استمرار الطلب بعد انحسار الاهتمام هو الاختبار التجاري الأهم.

بالنسبة إلى المطاعم، تخلق هذه البيئة حافزين مختلفين: تقديم قيمة تناسب المستهلك الذي يراقب كل نفقة، أو تطوير عرض متخصص لمن يملكون مساحة أكبر للإنفاق. ويصبح اختيار الزبون المستهدف حاسمًا، لأن القدرة على رفع السعر تختلف من شريحة إلى أخرى.

الغلاء يضغط حتى مع استقرار الصرف

شهد لبنان في 2025 تحسنًا في الاستهلاك، دعمته تحويلات الخارج واتساع دفع الأجور بالدولار، إلى جانب السياحة ونشاط العقارات والبناء. هذا المسار يوضح كيف تستطيع الأموال الوافدة تحريك متاجر ومطاعم وقطاعات خدمية رغم استمرار ضعف النظام المصرفي.

لكن تجدد الصراع في 2026 عطل هذا التحسن. وفي تقديرات أغسطس، توقع البنك الدولي انكماش الاقتصاد 6.4% خلال العام، وارتفاع التضخم إلى 17.5% بفعل اضطراب الإمدادات وزيادة تكاليف الشحن والنفط. وانتقلت الضغوط إلى السياحة والطلب المحلي، مع تضرر المساكن والبنية الأساسية ونزوح السكان.

استقرار سعر الصرف يحد من أحد مصادر الغلاء، بينما تبقى كلفة النقل والطاقة والخدمات قادرة على رفع فاتورة المعيشة. وكلما استحوذت الضروريات على حصة أكبر من الدخل، تراجعت المساحة المتاحة للأكل خارج المنزل وسائر الإنفاق الاختياري.

التعافي يبدأ من دخل أوسع

يتطلب توسيع القدرة على الاستهلاك وظائف منتجة وخدمات أقل كلفة ونظامًا مصرفيًا يستعيد الثقة. وقد سجل مسار إعادة هيكلة المصارف تقدمًا تشريعيًا في سبتمبر، مع إقرار تعديلات على قانون معالجة أوضاع البنوك.

ولا يزال توزيع الخسائر واسترداد الودائع في صلب النقاش. ويطالب صندوق النقد الدولي بأن يتحمل المساهمون والدائنون الأدنى مرتبة الخسائر قبل المودعين، وبأن تتوافق مقترحات السداد مع قدرة المصارف والمالية العامة على الاستمرار.

يمكن لمطعم ناجح أن يقدم منتجًا يلقى رواجًا ويخلق نشاطًا تجاريًا. أما اتساع التعافي فيُقاس بعودة مساحة الاختيار إلى ميزانيات الأسر، بحيث يصبح تناول وجبة خارج المنزل قرارًا متاحًا لعدد أكبر من الناس. وهذا ما يجعل شطيرة الـ13 دولارًا نافذة على سؤال أكبر: لمن تعمل السوق اللبنانية اليوم؟