خسرت بورصة لندن أكثر من ثلث عدد شركاتها خلال ما يزيد قليلًا على عقد. تراجع العدد من 2,429 شركة في 2015 إلى 1,534 في مايو 2026، بانخفاض صافٍ قدره 895 شركة، أو نحو 37%. لكن الخسارة الأهم تتجاوز عدد الأسماء المحذوفة: كل شركة تغادر قد تقلل تنوع السوق وجاذبيتها للشركة التالية التي تبحث عن مكان لطرح أسهمها.
المشكلة أن لندن تحتاج إلى شركات جديدة تجذب المستثمرين، بينما تحتاج هذه الشركات إلى مستثمرين يمنحونها سببًا لاختيار لندن. وإذا ضعفت إحدى الجهتين، يصبح إنعاش الأخرى أصعب. لذلك لا يمكن اختزال أزمة البورصة في منافسة مع نيويورك، أو افتراض أن تعديل قواعد الإدراج وحده كفيل بعكس الاتجاه.
الخروج له أكثر من طريق
الانخفاض الصافي البالغ 895 شركة لا يعني انتقال هذا العدد إلى بورصات أجنبية. إنه محصلة الإدراجات الجديدة في مقابل الشطب والاستحواذات والاندماجات وغيرها من أسباب الخروج. وقد تختفي شركة من شاشة التداول بينما تواصل أعمالها وتوظيف العاملين في بريطانيا تحت ملكية جديدة.
وفي حالات أخرى، يتغير مركز تداول السهم من دون انقطاع الصلة بلندن. ففي 11 مايو 2026 بدأت شركة تحويل الأموال «وايز» تداول أسهمها في ناسداك، مع احتفاظها بإدراج ثانوي في لندن. وبررت الشركة الخطوة بتحسين الوصول إلى سوق رأس المال الأمريكية وتعزيز حضورها في سوق تراها فرصة كبيرة للنمو.
هذا الفرق مهم. خسارة الإدراج الرئيسي تعني أن لندن قد تفقد جزءًا من ثقل الشركة في السوق، حتى إذا بقي سهمها متاحًا للتداول فيها. أما الاستحواذ الذي ينتهي بالشطب فيزيل فرصة الاستثمار العام في الشركة نفسها.
وفي النصف الأول من 2026، بلغت قيمة عروض الاستحواذ على شركات بريطانية مدرجة، ضمن الصفقات التي تتجاوز قيمة الواحدة منها 100 مليون جنيه إسترليني، نحو 59.7 مليار جنيه عبر 28 عرضًا. هذه عروض وليست جميعها صفقات مكتملة، لكنها تكشف قوة الطلب على شراء الشركات مقارنة بضعف تدفق الوافدين الجدد إلى البورصة.
حين يصبح السعر المنخفض سببًا للرحيل
يبحث المستثمر عن سهم بسعر جذاب، لكن إدارة الشركة قد ترى السعر نفسه عائقًا. فإذا أرادت جمع أموال جديدة عبر إصدار أسهم، فإن التقييم المنخفض يجبرها على بيع حصة أكبر للحصول على المبلغ المطلوب، ويقلص نصيب المساهمين الحاليين من الملكية.
كذلك تهمها سيولة التداول، أي سهولة بيع الأسهم وشرائها من دون تحريك السعر بشدة. فالسوق التي تضم مشترين أكثر وقدرة أكبر على استيعاب الصفقات تمنح المساهم الكبير فرصة أوسع لتسييل حصته، وقد تجعل المستثمرين أكثر استعدادًا للدخول منذ البداية.
تلك هي جاذبية السوق الأمريكية التي تراهن عليها شركات مثل «وايز». لكنها ليست ضمانًا لارتفاع السعر بمجرد تغيير مكان الإدراج؛ تبقى الأرباح والنمو وطبيعة النشاط وحجم الشركة عوامل حاسمة في تقييم المستثمرين لها.
أما المشتري الاستراتيجي أو صندوق الاستثمار الخاص، فقد يجد في انخفاض تقييم شركة مدرجة فرصة لشرائها بالكامل. ويمكن أن يقبل المساهمون عرضًا يزيد على سعر السوق، بينما تخسر البورصة شركة أخرى. وإذا لم تعوض الطروحات الجديدة هذه المغادرة، يستمر الانكماش حتى عندما تكون صفقة الاستحواذ مربحة لحملة السهم.
إصلاح القواعد لا يصنع مشترين
حاولت بريطانيا تقليل الأعباء التي تدفع الشركات إلى اختيار أسواق أخرى. دخلت قواعد إدراج جديدة حيز التنفيذ في يوليو 2024، وبسطت فئات الإدراج ومنحت مرونة أكبر في حقوق التصويت، وألغت اشتراط تصويت المساهمين على بعض المعاملات الكبيرة.
وفي يناير 2026 بدأ تطبيق نظام جديد للعروض العامة ونشرات الإصدار، يستهدف تسهيل جمع رأس المال وتقليل التكلفة. هذه التغييرات تعالج أسبابًا عملية تجعل الإدراج مرهقًا، لكنها لا تضمن أن يجد السهم طلبًا كافيًا بعد طرحه.
فالمال نفسه قادر على المفاضلة بين أسواق العالم. وفي نهاية 2024، امتلك المستثمرون من خارج بريطانيا 58.8% من أسهم الشركات البريطانية المدرجة في لندن، وهي أعلى نسبة مسجلة في هذه السلسلة. وتعكس النسبة انفتاح السوق، لكنها تعني أيضًا أن استقطاب رأس المال يتطلب منافسة على العائد والسيولة وفرص النمو، وليس على سهولة الإجراءات فقط.
التعافي يحتاج إلى تدفق مستمر
لم تتوقف لندن عن جذب الطروحات. شهد عام 2025 إدراج 23 شركة جمعت نحو 2.1 مليار جنيه إسترليني، جاء نحو 1.9 مليار منها في الربع الأخير وحده. وهذا التركّز يوضح كيف يمكن لبضعة أشهر نشطة أن تحسن حصيلة سنة ضعيفة.
وفي النصف الأول من 2026، جمعت سبعة إدراجات نحو 577 مليون جنيه، مقابل نحو 183 مليونًا في الفترة نفسها من 2025. تحسنت الأموال المجموعة بوضوح، لكن العدد ظل محدودًا. زيادة الحصيلة وحدها لا تثبت أن السوق استعادت قدرتها على تعويض الشركات المغادرة.
لذلك سيكون اختبار التعافي في استمرار الطروحات، وقدرة الشركات المدرجة على جمع تمويل لاحق، ووجود تداول نشط على أسهمها بعد انقضاء اهتمام يوم الإدراج. فالشركة الجديدة تراقب تجربة سابقتها قبل أن تختار البورصة نفسها.
تستطيع لندن تخفيف كلفة الدخول إلى سوقها، لكن إقناع الشركات بالبقاء يحتاج إلى فائدة ملموسة من هذا الدخول. ما يكسر حلقة الرحيل هو أن تجد الشركة في البورصة تمويلًا وتقييمًا وسيولة تجعل الاستمرار فيها قرارًا أفضل من البيع أو نقل مركز تداول أسهمها.




