في صناعة الطيران، لا تحتاج دولة إلى بيع طائرة كاملة كي توسع مكاسبها. تستطيع أن تتقدم داخل الصناعة نفسها، من توريد أجزاء منفردة إلى تجميع محرك واختباره، ثم صيانته بعد دخوله الخدمة. هذا هو المسار الذي يراهن عليه المغرب في المرحلة المقبلة: إضافة أعمال أكثر تعقيدًا إلى قاعدة مصانع بنتها خلال ربع قرن.
ويتوقع محمد بلعتيق، رئيس تجمع الصناعات المغربية للطيران والفضاء، أن تصل صادرات القطاع إلى نحو 5 مليارات دولار سنويًا خلال السنوات القليلة المقبلة، مقابل نحو 3 مليارات دولار في 2025. لكن الرقم المستهدف لا يشرح وحده ما يتغير. فالمشروعات الجديدة تستهدف توسيع دور المصانع الموجودة في المغرب داخل برامج إنتاج الطائرات، بدل الاكتفاء بزيادة كميات الأجزاء التي توردها بالفعل.
محركات جديدة وأعمال تمتد بعد البيع
اختارت «سافران» المغرب لإنشاء خط لتجميع محركات «LEAP-1A» المخصصة لطائرات إيرباص، بطاقة تصل إلى 350 محركًا سنويًا. ووفق الجدول الذي أعلنته الشركة، يفترض أن يبدأ تشغيل المصنع بحلول نهاية 2027، ليكمل الإنتاج في موقعها الفرنسي بفيلاروش.
وبجواره، يجري تطوير مركز لصيانة وإصلاح محركات «LEAP»، بطاقة مستهدفة تبلغ 150 محركًا سنويًا، مع بدء تشغيل متوقع في 2027. وتتجاوز استثمارات المنشأتين والتوسعات المرتبطة بهما في مواقع أخرى 350 مليون يورو.
الجمع بين التجميع والصيانة يفتح بابين للأعمال. الأول يرتبط بإنتاج طائرات جديدة، والثاني بخدمة المحركات العاملة. ولذلك يمكن أن يستفيد النشاط الصناعي في المغرب من اتساع الأسطول على امتداد سنوات تشغيله، إلى جانب استفادته من طلبيات الشراء الجديدة.
وتضيف «سافران» مشروعًا آخر لأنظمة الهبوط باستثمارات تتجاوز 280 مليون يورو. سيشمل تصنيع مكونات ووحدات أنظمة الهبوط ومعدات هيدروليكية، مع تشغيل مقرر في 2029 ونحو 500 وظيفة عند اكتمال توسعه.
هذه مواعيد مهمة لفهم الطفرة: القدرات المعلنة لم تتحول كلها إلى إنتاج بعد، ومصنع أنظمة الهبوط تحديدًا لا يفسر ارتفاع الصادرات الحالية. أثره المحتمل يأتي في مرحلة لاحقة.
العالم يحتاج إلى من ينجز الطلبيات
يأتي هذا التوسع بينما يواجه مصنعو الطائرات فجوة بين ما يطلبه العملاء وما تستطيع المصانع تسليمه. بلغت طلبيات إيرباص التجارية المتراكمة 9,222 طائرة بنهاية يونيو 2026. وخلال النصف الأول، تلقت الشركة صافي طلبيات لشراء 821 طائرة، بينما سلمت 351 فقط.
وتستهدف إيرباص رفع إنتاج عائلة «A320» إلى ما بين 70 و75 طائرة شهريًا بنهاية 2027، ثم الاستقرار عند 75. هذه الخطط تحتاج إلى زيادة متزامنة في المحركات والمعدات والمكونات، لأن ارتفاع قدرة خط التجميع النهائي وحده لا يكفي لإخراج الطائرة.
وتعاني الصناعة أيضًا نقصًا في بعض قطع الغيار والمواد، وضغطًا على طاقات الصيانة. وفي يونيو 2026، دعا الاتحاد الدولي للنقل الجوي إلى توسيع قدرات الفنيين وتحسين إتاحة خدمات الإصلاح، لمعالجة اختناقات تعطل تشغيل الطائرات وترفع تكاليف الشركات.
يفسر ذلك جانبًا من جاذبية الاستثمار في التجميع والصيانة معًا. فالمشكلة التي تواجه العملاء تتعلق بتسلم طائرة جديدة، وكذلك بإعادة محرك إلى الخدمة في وقت مناسب. ويمكن للمغرب أن يوسع أعماله إذا نجحت منشآته الجديدة في تلبية هذين الاحتياجين.
قاعدة جاهزة للانتقال إلى أعمال أعقد
لا يبدأ المغرب هذه الخطوة من الصفر. يوظف قطاع الطيران نحو 25 ألف شخص، ويضم شبكة شركات مرتبطة ببرامج كبار المصنعين العالميين. وتمنح هذه القاعدة المشروعات الجديدة موردين وخبرات وتدريبًا يمكن البناء عليها، بدل تأسيس كل حلقة على حدة.
وتقول «سافران» إن اختيارها موقع مصنع أنظمة الهبوط استند إلى قوة المنظومة الصناعية والكفاءات المحلية، إلى جانب قربه من أسواقها الاستراتيجية. كما ربطت المشروع ببرنامج لتطوير المهارات المتخصصة مع شركاء محليين.
بالنسبة إلى المغرب، يتيح هذا الانتقال فرصة لتوسيع أعمال التجميع والاختبار والصيانة التي تنفذ محليًا. وبالنسبة إلى المصنع العالمي، يوفر قدرة إضافية داخل قاعدة يعرفها بالفعل. استمرار العلاقة وتوسعها يمكن أن يمنحا الموردين المحليين فرصًا للدخول في أعمال أكثر تخصصًا، بشرط استيفاء متطلبات كل برنامج.
رقم الصادرات لا يكفي
مع ذلك، لا تساوي قيمة الصادرات الأموال التي تبقى بالكامل داخل الاقتصاد. فقد تتضمن السلعة المصدرة مكونات مستوردة، بينما تتوزع عوائدها بين العمل المحلي والموردين والتكنولوجيا ورأس المال. لذلك لا يمكن استنتاج مقدار القيمة المضافة المحلية من رقم 5 مليارات دولار وحده.
ما سيحدد عمق التحول هو حجم الأعمال التي تصبح المصانع والكفاءات المحلية قادرة على تنفيذها، وعدد الموردين الذين يتقدمون إلى مهام أعقد، ومدى انتظام الإنتاج وجودته. ويتوقع تجمع الصناعات المغربية للطيران والفضاء وصول العمالة إلى نحو 35 ألف شخص بحلول 2030، ما يجعل توسيع التدريب جزءًا من تنفيذ الطموح الصناعي.
الاختبار التالي يبدأ بتشغيل مشروعات المحركات وفق مواعيدها المعلنة، ثم قدرتها على بلوغ الطاقات المستهدفة. إذا تحقق ذلك، سيكون المغرب قد وسع مصادر دخله من الطائرة نفسها: أجزاء يصنعها، ومحركات يجمعها ويختبرها، وخدمات يقدمها بعد سنوات من الإقلاع.




