حين تنتهي مباريات كأس العالم 2030، ستبقى للمغرب محطات وقطارات ومطارات وملاعب تحتاج إلى التشغيل والصيانة. وستبقى معها فاتورة تمويل يفترض أن تقابلها إيرادات وفرص عمل. هذه هي المهمة الاقتصادية التي يضعها تعيين فوزي لقجع وزيرا للاقتصاد والمالية في الواجهة: تحويل الإنفاق الكبير استعدادا للبطولة إلى نشاط يستمر بعد رحيل المشجعين.
وجاء تعيين لقجع في 16 أكتوبر 2026 ضمن الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، عقب الانتخابات البرلمانية التي جرت في 23 سبتمبر. ويجمع الرجل بين رئاسة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم وخبرة حكومية في الميزانية، التي تولى حقيبتها الوزارية المنتدبة منذ أكتوبر 2021.
لذلك، فإن انتقاله إلى قيادة الوزارة يوسع مسؤوليته داخل ملف يعرفه بالفعل. لكن نجاح إدارة مشروع له موعد افتتاح محدد يختلف عن نجاح سياسة مالية مطالبة بتوفير وظائف وخدمات، والحفاظ في الوقت نفسه على قدرة الدولة على التمويل.
استثمارات أكبر من الملاعب
تبلغ قيمة برنامج استثمارات الربط والبنية السياحية للفترة من 2024 إلى 2030 نحو 190 مليار درهم مغربي، بما يعادل 11.9% من الناتج المحلي لعام 2024، وفق تقديرات تستند إلى خطط كانت متاحة حتى أكتوبر 2025. وهو برنامج متعدد السنوات، وليس إنفاق سنة واحدة أو فاتورة للملاعب وحدها.
فالسكك الحديدية تستحوذ على نحو نصف القيمة، بينما تذهب بقية الاستثمارات إلى المطارات والطرق والملاعب والبنية الحضرية والسياحية. ولا يشمل هذا التقدير برامج أخرى، مثل السدود وتحلية المياه والبنية الصحية.
هذا التوزيع يفتح فرصة تتجاوز بيع تذاكر المباريات. فالربط الأسرع بين المدن يستطيع توسيع سوق العمل أمام السكان، وتسهيل وصول الزائر إلى وجهات متعددة. وتوسعة المطارات يمكن أن تمنح الفنادق وشركات النقل قدرة على استقبال طلب إضافي لسنوات. لكن قيمة هذه الأصول تعتمد على استخدامها الفعلي وكلفة تشغيلها، وليس على اكتمال البناء فقط.
من الورشة إلى الوظيفة المستمرة
تعطي بيانات سوق العمل صورة واضحة لحجم الاختبار. ففي الربع الثاني من 2026 بلغ معدل البطالة بالمفهوم الضيق 9.5%، وارتفع بين الشباب من 15 إلى 24 عاما إلى 27.2%. ويقصد بهذا المقياس الأشخاص الذين لا يعملون، والمستعدين للعمل، والباحثين عنه فعليا.
وتستند هذه النتائج إلى منهجية جديدة، لذلك لا تصح مقارنتها مباشرة بمعدلات البطالة المنشورة سابقا بالمنهجية القديمة. ومع ذلك، فإنها توضح أن وصول الاستثمارات إلى فرص عمل للشباب يظل تحديا قائما.
فالعمل في بناء محطة أو ملعب يرتبط بمدة المشروع. أما الوظائف التي يمكن أن تستمر فتحتاج إلى شركات تستخدم المنشأة بعد افتتاحها، وخدمات يجد أصحابها زبائن طوال العام. ويشمل ذلك النقل والضيافة والصيانة والتوريد، لكنه يتطلب أيضا عمالة مؤهلة وتمويلا للمشروعات الصغيرة.
ومن ثم، فإن قياس نجاح الإنفاق بعدد العاملين في الورش وحده يعطي صورة ناقصة. الاختبار الأهم هو قدرة العامل على الانتقال إلى فرصة أخرى، وقدرة المورد المحلي على الاحتفاظ بعقود وزبائن بعد انتهاء موجة الإنشاءات.
السياحة طريق للعائد وليست ضمانا له
تعتزم البلاد إضافة 60 ألف سرير فندقي قبل المونديال، وتستهدف استقبال 26 مليون سائح في 2030. وهذه أهداف توسع تتيح للشركات الخاصة فرصة الاستثمار إلى جانب البنية الأساسية العامة.
غير أن بناء الفندق وتوسيع المطار يسبقان تحصيل الإيراد. فإذا تركز الطلب في أسابيع البطولة، ثم تراجع، تتحمل الشركات تكاليف طاقة لا تستخدمها بالكامل. أما إذا ساعد تحسن النقل والخدمات على تكرار الزيارة وإطالة الإقامة، فيمكن أن يستمر الطلب على العمالة والموردين.
لهذا تصبح الرحلات المنتظمة، وجودة الخدمة، والأسعار، والفعاليات على مدار العام جزءا من حساب العائد. الشهرة التي يوفرها المونديال قد تجلب الزيارة الأولى، لكن الاحتفاظ بالسائح يحتاج إلى منتج يستحق العودة.
من يتحمل كلفة ما بعد البطولة؟
يتوزع تمويل برنامج البنية الأساسية بين مؤسسات عامة وجماعات ترابية والحكومة المركزية، باستخدام موارد ذاتية وقروض وسندات. ولذلك فإن متابعة بند الاستثمار داخل الميزانية وحده لا تكشف الالتزامات كلها.
والمطلوب هو معرفة قدرة الجهات المنفذة على خدمة ديونها وتغطية التشغيل والصيانة. فإذا كانت الإيرادات أقل من المتوقع، فقد تحتاج بعض المشروعات إلى دعم إضافي، ما يقلص المساحة المتاحة لاستخدام المال في أولويات أخرى.
في المقابل، أتاحت زيادة الإيرادات الضريبية خلال السنوات الماضية مجالا أوسع للإنفاق. وقد بلغت هذه الإيرادات 24.6% من الناتج المحلي في 2025، بينما انخفض عجز الحكومة المركزية إلى 3.5%. وهذه حصيلة تسبق تعيين لقجع الجديد، وتوضح أنه يتسلم مسؤولية البناء على موارد تحسنت، مع استمرار الحاجة إلى تمويل التعليم والصحة والاستثمار.
ما يستحق المتابعة الآن هو كيفية توزيع هذه الموارد: شروط التمويل، وحصة الموردين المحليين، وبرامج التأهيل، وخطط تشغيل المنشآت. فالمكسب الاقتصادي للمغرب سيتحدد بما تتيحه هذه الأصول من دخل وعمل بعد البطولة، لا بعدد المشروعات التي تفتتح قبل صافرتها الأولى.




