قد يبقى راتبك كما هو، بينما تقل الأموال التي تتبقى لك منه. يكفي أن تزيد الأيام التي تذهب فيها إلى المكتب، فتدفع أكثر للتنقل وربما لرعاية الأطفال، وتستعيد رحلة يومية كنت قد استغنيت عنها. لذلك يحمل تغيير مكان العمل أثرا ماليا يتجاوز جدول الحضور.

هذا ما يكشفه قرار بنك «نات ويست» البريطاني إلزام موظفين بالحضور يومين على الأقل أسبوعيا اعتبارا من فبراير 2027، بعدما كان بعضهم مطالبا بيومين فقط في الشهر. وحذرت نقابة «يونايت» من أعباء التنقل ورعاية الأطفال واضطراب الترتيبات الأسرية.

الخلاف يفتح ملفا أكبر: عندما تمنح الشركة موظفيها مرونة لسنوات، ثم تقلصها، فإنها تغير جزءا من قيمة الوظيفة، حتى لو لم تمس الأجر المكتوب في العقد. وفي المقابل، تراهن على أن الوقت المشترك داخل المكتب سيحقق منفعة تستحق هذه التكلفة.

كيف تصبح المرونة جزءا من الراتب؟

للعمل تكلفة يتحملها صاحبه قبل أن يستفيد من دخله. تذاكر القطارات والوقود ومواقف السيارات تخرج من ميزانية الموظف، ويضاف إليها وقت الطريق. وعندما يقل عدد الرحلات، يحتفظ بجزء أكبر من أمواله ووقته. هذه منفعة لها قيمة، وإن لم تظهر في كشف الراتب.

في بيانات بريطانية عن استخدام الوقت خلال مارس 2024، وفر العمل من المنزل في المتوسط 56 دقيقة في اليوم نتيجة الاستغناء عن التنقل. هذا متوسط إحصائي، وليس تقديرا لما سيوفره أو يخسره كل موظف في نات ويست، لكنه يوضح لماذا يصعب اختزال النقاش في عدد الأيام وحده.

وتظهر قيمة المرونة أيضا في الاختيار بين الوظائف. فتحليل لعروض العمل واختيارات أكثر من 3 آلاف موظف في قطاع التكنولوجيا الأمريكي قدر استعدادهم، في المتوسط، للتنازل عن 25% من التعويض المالي مقابل وظيفة مماثلة تسمح بالعمل الهجين أو الكامل عن بعد.

الرقم يخص تلك العينة، ولا يعني أن أجور العاملين انخفضت فعليا بهذه النسبة. لكنه يكشف أن مكان العمل يمكن أن يغير جاذبية العرض الوظيفي بقدر لا يعبر عنه الراتب وحده. وتقليص المرونة يسحب جزءا من هذه المنفعة، ما لم يقابله تعويض أو تحسن آخر يقدره الموظف.

ماذا تريد الشركة من المكتب؟

يقول نات ويست إن قضاء الوقت معا يساعد الفرق على التعاون وتبادل الأفكار وبناء العلاقات والتعلم، وإنه سيمنح الموظفين وقتا للتخطيط ويدعم انتقالهم إلى الترتيبات الجديدة.

هذه منافع يمكن أن تكون مهمة، خصوصا في تدريب الموظفين الجدد والأعمال التي تحتاج إلى تنسيق متكرر. لكن تحقيقها يتوقف على طريقة تنظيم الحضور: هل يلتقي أعضاء الفريق في الأيام نفسها؟ وهل يستخدمون الوقت المشترك في مهام تستفيد من اللقاء؟

إذا انتقل الموظف إلى المكتب ليقضي يومه في اجتماعات مرئية مع زملاء يعملون من أماكن أخرى، فقد يدفع تكلفة الرحلة من دون أن تتحقق المنفعة التي تبررها. أما تخصيص أيام مشتركة للتدريب وحل المشكلات، فيمنح الحضور وظيفة أوضح.

لهذا لا تكفي سهولة عد أيام الحضور للحكم على نجاح القرار. الشركة تحتاج إلى معرفة ما إذا كانت الخدمة تحسنت، أو الأخطاء قلت، أو إنجاز العمل أصبح أسرع.

هل تعني أيام أكثر إنتاجية أعلى؟

الأدلة لا تمنح قاعدة واحدة لكل الوظائف. ففي تجربة شملت 1612 موظفا لدى شركة السفر الصينية «تريب دوت كوم»، أتيح لمجموعة العمل من المنزل يومين أسبوعيا والحضور ثلاثة أيام، مقابل خمسة أيام مكتبية للمجموعة الأخرى.

انخفض معدل ترك العمل بنحو الثلث لدى المجموعة الهجينة، من دون تراجع في تقييمات الأداء أو فرص الترقية. وكانت النتائج دليلا على أن الاحتفاظ بمرونة محددة يمكن أن يساعد الشركة على إبقاء موظفيها من دون الإضرار بالأداء المقاس.

لكن التجربة لم تختبر نظام الحضور يومين شهريا، ولا تقيس أثر سياسة نات ويست الجديدة. لذلك لا تثبت أن كل زيادة في الحضور خاطئة، كما لا تسند افتراض أن زيادة الأيام ترفع الإنتاجية تلقائيا.

وما تضيفه إلى الحساب هو تكلفة فقدان الموظفين. إذا أدى تقليص المرونة إلى استقالة أصحاب خبرة، فقد تتحمل الشركة نفقات البحث عن بدلاء وتدريبهم، إلى جانب الوقت اللازم لاستعادة مستوى الأداء السابق.

من يدفع الفاتورة في النهاية؟

في البداية، تقع النفقات المباشرة على الموظف الذي يزيد تنقله، وتكون أثقل نسبيا على صاحب الأجر الأقل أو الرحلة الأطول. وقد تمتد ساعات الرعاية المدفوعة بسبب وقت الطريق، حتى إذا ظلت ساعات العمل نفسها.

لكن توزيع التكلفة لاحقا يتوقف على قدرة كل طرف على التفاوض. الموظف الذي يجد بدائل مرنة يستطيع الانتقال، بينما قد يضطر غيره إلى تحمل النفقات. والشركة التي تواجه صعوبة في الاحتفاظ بالكفاءات قد تحتاج إلى رفع المقابل المالي أو تقديم استثناءات.

وتستطيع مؤسسة منافسة أن تجعل المرونة جزءا من عرضها لجذب موظفين، إذا كانت طبيعة العمل تسمح بذلك. عندها تتحول سياسة الحضور إلى أداة تنافس على الكفاءات، ويصبح الاختيار بين الوظائف مقارنة بين المال والوقت وتكاليف الوصول إلى العمل.

الحكم على العودة إلى المكاتب يحتاج، إذن، إلى حساب الجانبين: ما يضيفه اللقاء إلى جودة العمل، وما يقتطعه من دخل الموظف ووقته، وما قد تتحمله الشركة إذا فقدته. امتلاء المقاعد نتيجة يسهل رؤيتها، أما نجاح القرار فيظهر في العمل الذي ينجز والموظفين الذين يستمرون.