تستطيع باكستان الاقتراب من دفعة تمويل جديدة، بينما تجد شاحنة محملة بالبضائع صعوبة في مغادرة كراتشي نحو الشمال. هذه المفارقة تختصر اختبار التعافي: تأمين الدولارات يساعد الدولة على الوفاء بالتزاماتها، لكن الشركات تحتاج أيضا إلى طرق مفتوحة ومواعيد تسليم يمكن الوثوق بها.

في 7 أكتوبر، توصلت إسلام آباد وصندوق النقد الدولي إلى اتفاق على مستوى الخبراء قد يتيح نحو 1.21 مليار دولار، رهنا بموافقة المجلس التنفيذي. وفي الوقت نفسه، امتدت تداعيات الاستعداد لاحتجاجات المطالبين بالإفراج عن عمران خان إلى حركة الشحن، بعدما استخدمت السلطات حاويات تجارية لإقامة حواجز.

ثم تصاعد الخلاف في 11 أكتوبر، عندما أعلن الرئيس آصف علي زرداري الطوارئ وعلّق حكومة إقليم خيبر بختونخوا التي يقودها حزب خان، بدعوى الإخفاق في التصدي للجماعات المسلحة. ويرفض الحزب الاتهام، ويقول إن الحكومة الاتحادية لم توفر التمويل والمعدات اللازمة. بذلك أصبح استمرار النشاط الاقتصادي تحت ضغط مواجهة سياسية أوسع.

حين تتحول الحاوية إلى حاجز

قبل انطلاق المسيرة المقررة في 4 أكتوبر، أحجم سائقون عن نقل البضائع شمالا خشية احتجاز مركباتهم، فتراكمت الحاويات في كراتشي، على بعد نحو 1400 كيلومتر من العاصمة.

وقال ناقلون إن السلطات استحوذت مؤقتا على أكثر من ألفي مركبة خلال سبتمبر، بعضها محمل بالبضائع. وقدّر رئيس جمعية ناقلي البضائع في كراتشي رسوم تأخير بعض الحاويات بنحو 30 إلى 40 ألف روبية يوميا للحاوية الواحدة.

هذه تقديرات للناقلين، وليست حصيلة رسمية لخسائر الاقتصاد. لكنها توضح كيف يمكن أن تنتقل كلفة إغلاق الطرق إلى شركات بعيدة عن موقع الاحتجاج: أجور مستمرة، وشاحنات متوقفة، وتسليمات متأخرة.

والأثر المحتمل يتجاوز أجرة الرحلة. فبقاء السلع في الطريق يؤخر تحويل المخزون إلى إيرادات، وقد يدفع الشركة إلى تمويل أيام إضافية من التشغيل أو الاحتفاظ بمخزون احتياطي أكبر. وكلما طال التعطّل، زادت الأموال المطلوبة لتسيير العمل نفسه، دون زيادة مماثلة في الإنتاج.

التمويل يحمي الدولة ولا يضمن دوران الأعمال

الاتفاق مع الصندوق تقدم مهم، وليس دليلا على أن برنامج الإصلاح توقف. ويتوزع التمويل المنتظر بين نحو مليار دولار ضمن تسهيل الصندوق الممدد و210 ملايين دولار ضمن تسهيل الصلابة والاستدامة المرتبط بالمناخ. لكنه لم يصبح أموالا مصروفة بمجرد الاتفاق الفني.

ويقوم برنامج الإصلاح على توسيع القاعدة الضريبية، وإصلاح المؤسسات الحكومية والطاقة، ورفع الإنتاجية والمنافسة، مع زيادة الإنفاق الاجتماعي. تلك أهداف تحتاج إلى شركات تعمل وتبيع وتستثمر، لا إلى تحسن حسابات التمويل وحدها.

بالنسبة إلى صاحب مصنع، تحسن قدرة الدولة على توفير النقد الأجنبي يعالج جزءا من المخاطرة. أما وصول المدخلات وتسليم الطلبيات فمسألة أخرى. لذلك قد تتحسن الثقة بقدرة الحكومة على السداد، بينما يظل التوسع الإنتاجي مؤجلا إذا تعذر تقدير تكلفة التشغيل ومواعيده. هذا احتمال اقتصادي يفسر حدود أثر القروض، وليس رصدا لانسحاب استثمارات بعينها.

غلاء النقل يضيّق مساحة المناورة

بلغ التضخم السنوي في سبتمبر 10.26%، بينما ارتفع مؤشر أسعار النقل 27.43%. ولا تعني المقارنة أن الحواجز تسببت في هذه الزيادة، إذ تتداخل معها أسعار الوقود وعوامل أخرى، لكنها تظهر أن اضطراب الشحن جاء في بيئة مرتفعة التكلفة أصلا.

وتواجه الحكومة اختيارا صعبا في توزيع المساعدة. فدعم الوقود يخفف الضغط المباشر، لكنه يحتاج إلى موارد، بينما يريد برنامج الصندوق ضبط المالية العامة. وفي المراجعة الأخيرة، دعا الصندوق إلى إنهاء برنامج دعم الوقود تدريجيا وبسرعة بسبب تكلفته واتساع نطاق المستفيدين، وتوجيه أي مساعدة لاحقة إلى الفئات المحتاجة ولمدة محدودة ضمن الموازنة.

وفي المقابل، تتضمن الأولويات زيادة التحويلات النقدية الموجهة ورفع الإنفاق على الصحة والتعليم. نجاح الإصلاح يتوقف هنا على من يتحمل كلفته، وعلى وصول الحماية إلى الأسر المتضررة، بقدر ما يتوقف على الالتزام بأهداف الإيرادات.

من دفعة تمويل إلى تعافٍ قابل للاستمرار

الاختبار التالي لا يقتصر على موافقة مجلس الصندوق. ستكشف عودة حركة الشحن، وتراجع فترات الانتظار، وقدرة الشركات على الوفاء بطلبياتها، ما إذا كان الاستقرار المالي يتحول إلى نشاط فعلي.

لا تكفي الوقائع المتاحة للجزم بأن الاحتجاجات ستُفشل البرنامج أو تقود إلى أزمة عملة جديدة. لكن باكستان تحتاج إلى إنجاز مهمتين معا: الحفاظ على ثقة الممولين، وتقليل التعطّل الذي يدفع ثمنه المنتج والتاجر والمستهلك. فالقرض يمنح الدولة وقتا، واستمرار التجارة هو ما يساعد الاقتصاد على الاستفادة منه.