كل شحنة نفط تخرج من المخزون تساعد على إبقاء المصانع ووسائل النقل في العمل، لكنها تقلل أيضًا ما يمكن استخدامه لمواجهة التعطل التالي. هذه هي المعضلة التي تكبر مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط: يستطيع الاقتصاد تجاوز الصدمة الأولى، ثم يجد نفسه أمام صدمة جديدة بوسائل حماية أضعف.
وحذر صندوق النقد الدولي، الخميس 15 أكتوبر، من أن إطالة أمد الحرب وتجدد اضطرابات الطاقة والشحن والبنية التحتية يمثلان الخطر الأكبر على اقتصادات الشرق الأوسط وآسيا الوسطى. فالمسارات البديلة والسحب من المخزونات خففا أثر الاضطراب، لكنهما لا يضمنان استمرار الحماية إلى أجل غير محدد.
المخزون يشتري وقتًا
قبل الحرب، كان وجود فائض ومخزونات متاحة يمنح السوق مساحة لتعويض الإمدادات المتعطلة. ومع استمرار الأزمة، يصبح كل سحب جديد استهلاكًا لجزء من تلك المساحة، إلى أن تصبح استعادة الإنتاج وانتظام الشحن أكثر إلحاحًا.
وبنهاية سبتمبر، كانت مخزونات النفط العالمية المرصودة أقل بنحو 509 ملايين برميل من مستواها في نهاية فبراير. والمقصود إجمالي المخزونات التي يجري رصدها، لا الاحتياطيات الحكومية الاستراتيجية وحدها.
وتوضح حركة سبتمبر لماذا لا يكفي وصول شحنات إضافية لاعتبار الأزمة منتهية. فقد زاد النفط الموجود على متن الناقلات بنحو 103 ملايين برميل، بينما انخفضت المخزونات على اليابسة 113 مليونًا. ازداد النفط في الطريق، لكن الكميات الموجودة في مواقع التخزين البرية واصلت التراجع.
وفي 15 أكتوبر، اتفقت الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية على استكمال الإفراج عن نحو 100 مليون برميل متبقية ضمن التحرك المنسق الذي بدأ في مارس، بينها أكثر من 20 مليون برميل من الديزل. وأوضحت أن إجمالي الكميات المفرج عنها سيتجاوز التعهد الأصلي البالغ 400 مليون برميل.
هذه الكميات تمنح السوق إمدادات تحتاجها، لكنها تُسحب من رصيد محدود. استمرار الإفراج عنها مفيد لاحتواء الضغط الحالي، بينما يتطلب استعادة الحماية لاحقًا تعويض ما خرج من المخزون.
البرميل لا يكفي وحده
وجود النفط الخام لا يحل تلقائيًا مشكلة الوقود الذي تحتاجه الشاحنات والمصانع. فلا بد من تكريره ونقله وتسليمه، ويمكن أن يتعطل أي جزء من هذه السلسلة حتى لو تحسن إنتاج الخام.
ويظهر ذلك في الديزل. فقد كانت صادراته العالمية في سبتمبر أقل بنحو 700 ألف برميل يوميًا مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي. وتتوقع وكالة الطاقة الدولية استمرار ضيق سوق الديزل وزيت الغاز إلى داخل عام 2027، رغم التحسن المتوقع في تشغيل المصافي.
لهذا تنتقل فاتورة الحرب إلى شركات لا تشتري النفط أصلًا. ارتفاع كلفة النقل والتشغيل يضغط على أرباحها، ويجعلها أمام خيارات أصعب: تحمل الزيادة، أو رفع الأسعار، أو تقليص نشاط لا يغطي تكلفته. ولا يتساوى أثر هذه الخيارات بين شركة كبيرة تستطيع امتصاص الزيادة وأخرى محدودة السيولة.
الحماية نفسها لها فاتورة
تواجه الحكومات بدورها قرارًا متكررًا: كم تتحمل من ارتفاع الأسعار، ولمن تقدم المساعدة؟ تستطيع تخفيف العبء عن الأسر، لكن استمرار الدعم مع طول الأزمة يزيد الضغط على الميزانية، خصوصًا حيث تكون الديون وتكاليف الاقتراض مرتفعة.
ويدعو صندوق النقد إلى دعم مؤقت وموجه للفئات الأشد تضررًا، بدل الدعم الواسع للأسعار. كما يشدد على إعادة بناء القدرة المالية للحكومات على مواجهة الصدمات. فكل مبلغ يذهب إلى احتواء الغلاء اليوم ينافس احتياجات أخرى، من الخدمات إلى الاستثمار وإصلاح البنية التحتية.
وتزداد المعضلة إذا استمر التضخم. فصندوق النقد يتوقع بلوغ التضخم العالمي 4.7% في 2026، مع مساهمة ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة. وإذا امتدت الزيادات وترسخت، قد تضطر البنوك المركزية إلى تشديد السياسة النقدية، بما يرفع كلفة التمويل في وقت يحتاج فيه الاقتصاد إلى التعافي.
ولا يعني ذلك أن كل دولة تحتاج إلى القرار نفسه. تختلف القدرة على الاحتمال بحسب مواردها وحجم ديونها ومصداقية سياساتها، كما تختلف الاستجابة المطلوبة بحسب استمرار التضخم واتساعه.
التعافي يحتاج أكثر من رقم نمو
يتوقع صندوق النقد انكماش اقتصاد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان 1.3% في 2026، ثم نموه 6.6% في 2027. وهذه توقعات لمجموعة محددة، وليست تقديرًا موحدًا لكل دول الشرق الأوسط وآسيا الوسطى.
ويعتمد الانتعاش على عودة الإنتاج والتجارة إلى الانتظام. كما أن النمو القوي بعد الانكماش لا يعني بالضرورة العودة إلى المسار الذي كان متوقعًا قبل الحرب. فإعادة تشغيل طاقة إنتاجية متوقفة ترفع الناتج، بينما يتطلب تعويض الضرر وبناء احتياطيات جديدة وقتًا وإنفاقًا إضافيين.
لذلك، يحتاج تقييم التعافي إلى متابعة ما وراء أسعار النفط: هل يتوقف السحب المتواصل من المخزونات؟ هل تتحسن إمدادات الوقود؟ وهل تصبح حركة الشحن أكثر انتظامًا؟ استمرار التحسن في هذه المؤشرات يحدد متى تستطيع الاقتصادات الانتقال من استهلاك وسائل الحماية إلى بنائها من جديد.




