في عام 1979، ارتفع برج مركز دبي التجاري العالمي، بطوابقه التسعة والثلاثين، وسط مساحة كانت تبدو بعيدة عن قلب المدينة وحركة أسواقها. كان اختيار الموقع يثير التساؤلات، لكن المشروع حمل طموحاً أكبر من تأجير مكاتب: أن تصبح دبي عنواناً تقصده الشركات العالمية، وأن تنمو المدينة حول هذا الطموح.

ذلك المشهد يلخص جانباً من عبقرية المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم. فقد امتلك شجاعة البناء لحجم المدينة التي أرادها، وتجاوز بقراراته حدود احتياجاتها الآنية. وبعد 36 عاماً على رحيله في 7 أكتوبر 1990، يظل أثره حاضراً في الأسس التي قامت عليها دبي الحديثة: التجارة، والاتصال بالعالم، والاستثمار الذي يفتح المجال لاستثمارات أخرى.

كانت رؤيته للمستقبل قابلة للرسم على الخرائط والتنفيذ على الأرض. خور أعمق، ومطار يستقبل العالم، وموانئ تتسع لنمو التجارة، ومؤسسات تساعد الناس على العمل. هكذا تحولت الرؤية إلى اقتصاد.

الخور.. حين فتح للمستقبل طريقاً

عندما تولى الشيخ راشد حكم دبي عام 1958، كانت المدينة تملك خبرة تجارية وموقعاً مهماً، لكن قدرتها على الاستفادة منهما كانت تصطدم بعائق مادي: تراكم الرمال والطمي في الخور، وصعوبة دخول السفن الكبيرة.

كانت بعض السفن تضطر إلى البقاء خارج الخور، ونقل حمولاتها بقوارب أصغر. وتلك رحلة إضافية تكلف التجار وقتاً ومالاً، وتحد من قدرة المدينة على استقبال أعمال جديدة. أدرك الشيخ راشد أن ازدهار السوق يبدأ من إزالة ما يعطل وصول البضائع إليه.

بدأت أعمال تعميق الخور عام 1959، بعد دراسات سبقتها في الخمسينيات. وكان تنفيذ مشروع بهذا الحجم، في مدينة محدودة الموارد وقبل اكتشاف النفط، تعبيراً عن جرأة استثنائية في تقدير ما تستطيع دبي أن تصبح عليه.

فتح المشروع المجال أمام مزيد من السفن، واتسعت معه حركة التجارة ونمت الأحياء المحيطة بالخور. وبذلك صار الإنفاق على البنية الأساسية استثماراً في أرزاق التجار والبحارة والعاملين، وفي قدرة المدينة على كسب مكانة أوسع في المنطقة.

مطار سبق عوائد النفط

وفي العام نفسه الذي بدأت فيه أعمال تعميق الخور، أمر الشيخ راشد بإنشاء مطار دبي. افتُتح المطار في 30 سبتمبر 1960، بمدرج من الرمال المدكوكة ومبنى صغير للمسافرين.

تحمل هذه التواريخ دلالة كبيرة. اكتُشف النفط في حقل فتح عام 1966، وبدأت دبي تصديره عام 1969. أي إن بوابتيها إلى التجارة البحرية والطيران كانتا تتطوران قبل أن تبدأ عوائد النفط في تمويل مرحلة أوسع من النهضة.

كان الشيخ راشد يبني مصادر الفرص مبكراً. فالمطار يتيح وصول رجال الأعمال والبضائع والزوار، ويجعل التعامل مع المدينة أسهل. ومع سياسة الأجواء المفتوحة التي شجعها، اتسع المجال أمام شركات الطيران لربط دبي بالأسواق الخارجية.

وحين جاءت الإيرادات النفطية، استُخدمت في تطوير البنية الأساسية والخدمات وتحسين حياة السكان. وتكشف مسيرة المشروعات كيف استثمر الشيخ راشد مورداً ناضباً في قدرات تستطيع خدمة الاقتصاد لأجيال: النقل والتجارة والمرافق والمؤسسات. كانت قيمة الثروة تظهر في ما تبنيه للغد.

جبل علي.. بناء مساحة للنمو

افتُتح ميناء راشد عام 1972، ثم جاء ميناء جبل علي عام 1979 ليمنح دبي قدرة أكبر على استقبال حركة التجارة العالمية. وبين المشروعين تتضح سمة أصيلة في قيادة الشيخ راشد: الطموح المتصل بالتنفيذ، ثم الاستعداد للخطوة التالية.

الميناء الكبير يوسع ما تستطيع المدينة التعامل معه من سفن وبضائع، ويتيح حوله أعمالاً في التخزين والنقل والخدمات. لكن القيمة تتضاعف عندما تجد الشركات بجواره مكاناً تستقر فيه وتدير عملياتها.

وفي 6 مايو 1980، أصدر الشيخ راشد أول قانون لإنشاء منطقة حرة في جبل علي. وفي عام 1985، تأسست «جافزا» رسمياً، وبدأت رحلتها مع 19 شركة، تحت قيادة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم.

أضافت المنطقة الحرة إلى الميناء بيئة للأعمال. فالشركة تستطيع أن تخزن وتوزع وتصنع بالقرب من بوابة الشحن، وتخدم أسواقاً تتجاوز حدود دبي. ومع هذا الترابط، أصبح مرور البضائع فرصة لجذب استثمارات ووظائف وخبرات إلى المدينة.

وبحلول احتفال «جافزا» بمرور أربعين عاماً على تأسيسها في 2025، كانت تحتضن أكثر من 11 ألف شركة من 157 دولة. وهذا النمو، الذي صنعته عقود من التطوير المتواصل، يوضح اتساع الأثر الذي انطلق من قرار مبكر بتهيئة المكان لأعمال المستقبل.

البرج الذي انتظرته المدينة

وفي عام افتتاح جبل علي، افتُتح أيضاً مركز دبي التجاري العالمي. ميناء يربط المدينة بحركة البضائع، ومركز يربطها بالشركات والمعارض والصفقات. كان المشروعان يخدمان طموحاً واحداً من بابين مختلفين.

احتاج جذب الشركات العالمية إلى مكاتب وخدمات ومكان يجتمع فيه أصحاب الأعمال. وقد وفر المركز منصة لهذا الدور، بينما حمل برجه رسالة ثقة في مستقبل دبي، في وقت كانت فيه المنطقة المحيطة به قليلة العمران.

ثم امتدت المدينة، وصار الموقع الذي بدا بعيداً جزءاً من قلب أعمالها. وتمنح هذه الحكاية معنى ملموساً لبُعد النظر: أن يسبق الاستثمار اتساع السوق، وأن يساعد بنفسه على صنع هذا الاتساع. وتلك قدرة قيادية تظهر نتائجها على مدى عقود.

شريك الاتحاد وباني الأساس

امتدت رؤية الشيخ راشد إلى بناء الوطن الذي يحتضن هذه النهضة. ففي 18 فبراير 1968، اتفق مع المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان على اتحاد أبوظبي ودبي، وفتحا الباب أمام بقية الإمارات للمشاركة. وأثمرت جهود التأسيس إعلان دولة الإمارات العربية المتحدة في 2 ديسمبر 1971.

جمع الرجلان بين طموح التنمية وإرادة الاتحاد. وفي دبي، صاحبت مشروعات التجارة والنقل عناية بالخدمات والدوائر التي تحتاجها مدينة تنمو، من الكهرباء والمياه إلى البلدية والجمارك. فالنهضة تحتاج إلى مؤسسات تديرها، وإلى حياة أفضل يشعر بها أهلها.

رحل الشيخ راشد بعد 32 عاماً في الحكم، وترك أساساً واصل خلفاؤه البناء عليه وتوسيعه. وتكمن عظمة إرثه في أن مشروعاته منحت دبي قدرة متجددة على النمو، وفتحت أمام الأجيال التالية آفاقاً أكبر.

رأى في الخور بوابة، وفي المطار فرصة، وفي الميناء مستقبلاً لمدينة كاملة. ثم امتلك العزم ليحوّل ما رآه إلى واقع. لذلك بقي اسمه حاضراً في قصة دبي، بوصفه القائد الذي منح رؤيتها الأولى قوة الانطلاق.