قد يسجل اقتصاد المنطقة نموا قويا في 2027، بينما تبقى آثار الحرب في المصانع والاستثمارات ودخول الناس. فالانتقال من الانكماش إلى النمو يعني أن النشاط يتحسن مقارنة بالعام السابق، لكنه لا يثبت أن الاقتصاد استعاد كل ما فقده، أو وصل إلى الحجم الذي كان سيبلغه لو لم تقع الحرب.
يتوقع صندوق النقد الدولي انكماش اقتصاد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان بنسبة 1.3% في 2026، ثم نموه 6.6% في 2027. وبين الرقمين تكمن مفارقة التعافي: يمكن للإنتاج أن يرتفع بسرعة بعد تعطله، فيما يستغرق تعويض الفرص الضائعة وإصلاح الأضرار وقتا أطول.
ماذا يقيس رقم النمو؟
يقارن النمو حجم السلع والخدمات التي ينتجها الاقتصاد بما أنتجه في العام السابق. وحين تكون سنة المقارنة ضعيفة بسبب توقف منشآت أو تعطل الشحن، تصبح استعادة جزء من النشاط كافية لتسجيل قفزة واضحة. هذا ما يسمى أثر سنة الأساس المنخفضة.
لذلك يجب التمييز بين ثلاث مراحل: أن يعود الاقتصاد إلى النمو، وأن يتجاوز حجم إنتاجه قبل الصدمة، وأن يلحق بالمسار الذي كان متوقعا له قبلها. وقد يحقق المرحلتين الأولى والثانية ويظل بعيدا عن الثالثة.
فالمشروع الذي تأخر تشغيله عاما لم يفقد إيرادات ذلك العام وحدها، بل تأخرت أيضا الوظائف والمشتريات التي كان سيولدها. وحين يبدأ العمل، يضيف إلى النمو الجاري، لكنه لا يعيد تلقائيا النشاط الذي كان يمكن أن يحدث أثناء التأخير. هذه هي الفجوة التي قد يخفيها الاكتفاء بنسبة النمو السنوية.
لماذا يمكن أن يكون الارتداد سريعا؟
تعطل الحرب الاقتصاد عبر قنوات متداخلة. انخفاض إنتاج الطاقة يقلص الكميات المتاحة للبيع، واضطراب الشحن يؤخر وصول الصادرات والواردات، فيما يزيد ارتفاع تكلفة النقل والوقود أعباء الشركات. كما يمكن أن تدفع المخاطر المستثمر إلى تأجيل مشروع، والأسرة إلى تأخير إنفاق كبير.
عندما تنحسر هذه القيود، لا تحتاج كل زيادة في الإنتاج إلى مصنع جديد. بعض المنشآت يستطيع رفع تشغيله مجددا، وبعض الشحنات يمكن أن يتحرك بعد زوال العوائق. استعادة طاقة إنتاجية قائمة قد تكون أسرع من بناء طاقة جديدة، وهو ما يفسر إمكان تسجيل نمو قوي عقب سنة صعبة.
لكن 6.6% تظل توقعا مشروطا. يفترض سيناريو الصندوق انحسار الصراع في أوائل 2027 وعودة التجارة تدريجيا إلى طبيعتها خلال العام. فإذا تأخرت عودة الإنتاج والشحن، تتأخر معها الزيادة المنتظرة في النشاط.
ما الذي لا يعود بمجرد انتهاء التعطل؟
إعادة تشغيل منشأة سليمة تختلف عن إعادة بناء منشأة تضررت. الأولى تحتاج استعادة ظروف العمل والإمدادات، والثانية تحتاج أموالا ومعدات ووقتا. وكلما اتسعت الحاجة إلى الإصلاح، زادت الموارد التي يجب تخصيصها لاستعادة القدرة السابقة قبل توسيعها.
والاستثمار أكثر حساسية من التشغيل اليومي. قد يعود المصنع إلى تلبية طلب قائم، بينما يؤجل صاحبه خط إنتاج إضافيا حتى يطمئن إلى استقرار السوق. وقد ينتظر الممول بدوره وضوح الإيرادات والمخاطر قبل توفير قرض طويل الأجل.
لهذا يمكن أن تتعافى المبيعات فيما تبقى استثمارات التوسع أضعف. وعندما تطول هذه الفجوة، يمتد أثر الحرب إلى قدرة الاقتصاد على الإنتاج في السنوات التالية، عبر رأس المال والعمالة والإنتاجية. وتظهر تجارب النزاعات أن الندوب الاقتصادية قد تستمر بعد توقف القتال، مع اختلاف حجمها ومدتها بشدة بين البلدان.
كما أن المال المستخدم لإصلاح أصل متضرر يعيد خدمة فقدها الاقتصاد. وقد ينشط البناء والتوظيف أثناء الإصلاح، لكن هذا النشاط لا يعني أن تكلفة الضرر اختفت أو أن الإنفاق كله أضاف قدرة جديدة.
متى يصبح التعافي أوسع من رقم؟
تختلف سرعة التعافي داخل الاقتصاد الواحد. عودة إنتاج الطاقة قد ترفع الناتج قبل أن تظهر زيادة مماثلة في مبيعات متجر أو دخل أسرة. كذلك لا يعني متوسط النمو الإقليمي أن جميع البلدان والقطاعات تتحرك بالنسبة نفسها.
ولتقييم قوة التعافي، يحتاج رقم الناتج إلى مؤشرات تكمله: هل عاد الإنتاج فعليا؟ هل انتظمت الشحنات؟ هل تستثمر الشركات في التوسع؟ وهل يتحسن التوظيف والدخل الحقيقي، أي ما يستطيع الدخل شراءه بعد احتساب ارتفاع الأسعار؟
إذا تحقق نمو 6.6%، فسيعني ذلك تحسنا مهما في النشاط. أما تجاوز أثر الحرب فيحتاج إلى استمرار هذا التحسن، واستعادة الاستثمار، وتقليص الفجوة بين ما ينتجه الاقتصاد وما كان يستطيع إنتاجه دون الصراع.




