عملة صُممت لتتيح انتقال القيمة بين طرفين من دون وسيط، تعيدها روسيا إلى سوق لا تكتمل فيها الصفقة القانونية إلا بوجود وسيط. هذه هي المفارقة وراء القواعد التي ستمنع التداول المباشر للعملات المشفرة بين الأفراد اعتبارا من 1 يوليو 2027.

التحول يفتح أمام المؤسسات المرخصة فرصة تتجاوز إضافة منتج استثماري إلى خدماتها. فحين يصبح المرور بها إلزاميا، تنتقل إليها علاقة العميل بالسوق، ومعها فرص تنفيذ الصفقات وحفظ الأصول وتحصيل رسوم الخدمات. لكن حجم هذه الفرصة سيتوقف على استعداد المستثمرين لاستخدام النظام الجديد.

بوابة إلزامية للسوق

أكد البنك المركزي الروسي أن قائمة المعاملات المسموح بها من دون وسيط لن تشمل البيع والشراء المباشر بين الأفراد بعد الموعد المحدد. ويشير التوضيح الرسمي إلى المقيمين الذين لا يعملون بأنفسهم ضمن الجهات المنظمة لتداول العملات الرقمية.

وسيكون التعامل عبر جهات معتمدة أو معها، ومنها وسطاء يحملون ترخيصا من البنك المركزي، وشركات تبادل مدرجة في سجله. الخضوع للرقابة هنا لا يعني بالضرورة أن الدولة تملك تلك الشركات، بل أنها تحدد من يستطيع تقديم الخدمة وبأي شروط.

بذلك، يستطيع المستثمر دخول سوق الكريبتو، لكن حرية اختيار الطرف المقابل وطريقة إتمام الصفقة تصبح أضيق. فالقرار ينظم قنوات التداول، ولا يساوي حظرا شاملا على امتلاك العملات المشفرة.

ويستند هذا البناء إلى قانون العملات الرقمية والحقوق الرقمية الصادر في أغسطس 2026. وقد بدأ البنك المركزي استكمال قواعده الخاصة بالحفظ والسجلات والمحاسبة، بينما بقيت بعض اللوائح قيد التسجيل الرسمي حتى منتصف أكتوبر.

حين يصبح الترخيص أصلا تجاريا

بالنسبة إلى الوسيط، لا تقتصر قيمة الترخيص على السماح له بالعمل. إنه يمنحه موقعا في طريق معاملات لم يكن أصحابها مضطرين سابقا إلى المرور بمؤسسة مالية محلية لإتمامها.

ومن شأن ذلك أن يوسع الطلب على الوساطة والحفظ والخدمات المرتبطة بهما. وقد تستفيد المؤسسات القادرة على بناء أنظمة امتثال وحماية وتشغيل موثوقة، فيما يصبح استمرار مقدمي الخدمات غير المسجلين أصعب داخل السوق القانونية.

لكن الإيرادات ليست مضمونة. فالرسوم التي يقبلها المستخدم، وعدد المنافسين المرخصين، وسهولة نقل الأصول، عوامل ستحدد ما إذا كان التنظيم يصنع سوقا واسعة أو قناة محدودة الاستخدام. ولا تتوافر بعد بيانات كافية لتقدير حصص الوسطاء أو أرباحهم الناتجة عن هذا التحول.

وتحدد لائحة أصدرها البنك المركزي، وما زالت قيد التسجيل الرسمي، سقف مشتريات المستثمر غير المؤهل عند 300 ألف روبل سنويا عبر الوسيط الواحد. وهذا يضع حدا لحجم نشاطه لدى المؤسسة الواحدة، ولا يصف إجمالي ثروته المشفرة أو خسارته المحتملة.

السيطرة على طريق الخروج أيضا

تمتد القيود إلى ما يحدث بعد الشراء. فقد أوضح البنك المركزي أن تحويل الفرد عملاته من حساب رقمي إلى محفظة ذاتية الحفظ تخصه غير مسموح به ضمن المسار الذي تناولته إجابته الرسمية. والمحفظة ذاتية الحفظ هي التي يحتفظ صاحبها بمفاتيح التحكم فيها بنفسه.

هذا التفصيل يجعل الحفظ جزءا أساسيا من نموذج السوق، ويزيد اعتماد العميل على الجهات التي تدير حساباته وأصوله. وقد يجد بعض المستثمرين في وجود مؤسسة خاضعة للرقابة وضوحا قانونيا، بينما يرى آخرون أن تقييد نقل الأصول ينتقص من سبب استخدامهم للكريبتو أصلا.

ودافع أناتولي أكساكوف، رئيس لجنة السوق المالية في مجلس الدوما، عن القيود باعتبارها وسيلة لحماية المستثمرين من الاحتيال والأنشطة الإجرامية. في المقابل، حذر مشاركون في السوق من أن صعوبة التحويل ومخاطر العقوبات المرتبطة بالتعامل مع بنية مالية روسية قد تقللان جاذبية القنوات المحلية.

وهذا تحذير بشأن سلوك المستثمرين المحتمل، لا دليل على انتقالهم بالفعل إلى وجهة بعينها.

اختبار جذب السيولة

تحتفظ روسيا بمسارين مختلفين لاستخدام الكريبتو: قيود مشددة على تداوله محليا، مع استمرار حظر استخدامه في سداد ثمن السلع والخدمات داخل البلاد، وإتاحة استخدامات في التسويات العابرة للحدود. فالدولة تريد الاستفادة من الأداة من دون ترك حركة الأموال خارج المؤسسات التي تستطيع مراقبتها.

غير أن نجاح التنظيم يحتاج إلى أكثر من إلزام قانوني. عليه أن يمنح المستخدم سببا للبقاء، من حيث التكلفة والسرعة وسلامة الحفظ ووضوح التعامل الضريبي. فالسوق المنظمة التي لا تجذب السيولة قد تمنح أصحاب التراخيص حق الدخول، من دون أن تمنحهم نشاطا كبيرا.

حتى يوليو 2027، ستكون الرسوم المعلنة، وعدد مقدمي الخدمات الفعليين، وقواعد تحويل الأصول، مؤشرات أهم من مجرد صدور التراخيص. الرابح المحتمل هو الوسيط الذي يجمع بين الإذن التنظيمي وخدمة يقبلها المستثمر. فالترخيص يمنح حق تقديم الخدمة، أما الإيرادات فتحتاج إلى أموال وعملاء فعليين.