حين وصف دونالد ترامب استئناف أوكرانيا ضرباتها على مصافي النفط الروسية بأنه «مخزٍ»، كان يتحدث عن الوقود الذي يحتاجه العالم بقدر ما يتحدث عن الحرب. ففي مقابلة بُثت الخميس 15 أكتوبر، ربط الرئيس الأميركي الهجمات بارتفاع أسعار الطاقة، واعترض خصوصا على استهداف منشآت تنتج الديزل.

تكشف المواجهة اختلافا في حسابات الأطراف الثلاثة: تريد واشنطن إمدادات إضافية تخفف ضغط الأسعار، وتريد موسكو استمرار بيع الوقود، بينما تتمسك كييف بالضغط على قطاع الطاقة الروسي ما دامت منشآتها تتعرض للهجمات. وبين هذه المصالح، أصبحت المصفاة ورقة تفاوض تتجاوز قيمتها داخل حدود روسيا.

الأزمة في الوقود الجاهز

وجود النفط الخام لا يضمن وجود ديزل يكفي السوق. فالخام يحتاج إلى مصافٍ تعمل، ثم إلى شبكة نقل قادرة على إيصال المنتجات إلى المشترين. وإذا تعطلت هذه الحلقة، قد يتوافر النفط بينما يصبح الوقود الذي تستخدمه الشاحنات والمعدات أغلى وأصعب في الحصول عليه.

وهذا ما يجعل استهداف المصفاة مختلفا عن تعطيل بئر نفط. فتعطل التكرير يمكن أن يخفض طلب المنشأة على الخام، وفي الوقت نفسه يقلص إنتاجها من الوقود. لذلك لا يلزم أن تتحرك أسعار الخام والديزل في الاتجاه نفسه أو بالمقدار نفسه.

في سبتمبر، تراجعت صادرات الديزل العالمية بنحو 700 ألف برميل يوميا مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق. وبلغ الانخفاض المجمع في الإمدادات التصديرية من روسيا والشرق الأوسط نحو 1.3 مليون برميل يوميا، عوضت مصادر أخرى جزءا منه فقط.

هذه الفجوة سبقت الضربة الأوكرانية الأخيرة. وهي تمنع اختزال أزمة الأسعار في قرار كييف وحده، حتى لو أضافت الهجمات على المصافي ضغطا إلى سوق تعاني بالفعل اضطراب الإمدادات.

ثلاثة أطراف وثلاث فواتير

بالنسبة إلى ترامب، يمثل وقف ضرب المصافي وسيلة لحماية إنتاج يمكن أن يصل إلى السوق. ويتقاطع ذلك مع اتفاقه بشأن الديزل الروسي، الذي أثار اعتراض زيلينسكي. لكن إتاحة الوقود تجاريا لا تكفي إذا كانت المنشآت التي تصنعه عاجزة عن التشغيل المنتظم.

أما كييف، فأعلنت استئناف الهجمات بعد هدنة قصيرة على منشآت الطاقة قالت إن موسكو لم تلتزم بها. واستهدفت الخميس مصفاة في منطقة ريازان، بينما استمرت الهجمات الروسية على البنية التحتية الأوكرانية للطاقة.

بالنسبة إلى أوكرانيا، يعني وقف الضربات التخلي عن وسيلة ضغط، ويصعب قبول ذلك إذا استمر انقطاع الكهرباء وتضرر منشآتها. وبالنسبة إلى روسيا، فإن استمرار التكرير والتصدير يحافظ على نشاط اقتصادي وإيرادات، ويزيد أهمية إمداداتها لدى المشترين الباحثين عن بدائل.

تفسر هذه المصالح صعوبة فصل هدنة الطاقة عن الحرب. فما قد يراه مستهلك الوقود تخفيفا للفاتورة، قد تراه كييف تخفيفا للضغط على موسكو. وأي ترتيب لحماية المنشآت يحتاج إلى التزام متبادل كي يصمد.

فاتورة تصل إلى خارج الجبهة

ينتقل نقص الديزل إلى الاقتصاد عبر تكلفة تحريك السلع وتشغيل المعدات. وقد تتحمل شركات النقل جزءا من الزيادة على حساب أرباحها، أو تمررها إلى العملاء بحسب عقودها وقدرتها على رفع الأسعار.

كما أن انخفاض السعر العالمي لا يظهر بالضرورة فورا وبالنسبة نفسها في كل محطة وقود. فالسعر النهائي يتضمن النقل والتوزيع والضرائب وظروف السوق المحلية، إلى جانب تكلفة الخام والتكرير.

ويزيد اقتراب الشتاء صعوبة التعويض، لأن الطلب على وقود التدفئة ينافس على منتجات قريبة من الديزل. ومع تراجع المخزونات، يصبح لدى المشترين هامش أصغر لانتظار إصلاح المصافي أو وصول شحنات بديلة.

المخزون يشتري وقتا

في 15 أكتوبر، اتفقت الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية على تسريع الإفراج عن الكميات المتبقية من خطة الطوارئ التي أُقرت في مارس، مع خطط تشمل أكثر من 20 مليون برميل من الديزل في أقرب وقت ممكن. كما شجعت الوكالة زيادة إنتاج الخام والمنتجات المكررة، خصوصا الديزل.

هذه كميات مقررة للإفراج، وليست كلها شحنات وصلت بالفعل. ويمكنها تخفيف الضغط مؤقتا، لكنها لا تصلح مصفاة ولا تضمن استمرار الملاحة أو توقف الهجمات.

وتشير تقديرات السوق إلى احتمال استمرار شح المقطرات الوسطى، ومنها الديزل، داخل عام 2027. لذلك سيكون الاختبار في عودة الإنتاج وانتظام الشحنات وإعادة بناء المخزون، وليس في إعلان اتفاق وحده.

تمنح ندرة الوقود الجاهز المصافي الروسية وزنا تفاوضيا أكبر. لكن خفض الأسعار بصورة مستمرة يحتاج إلى إمدادات يمكن الاعتماد عليها، وهو ما لن تحققه حماية منشأة لعدة أيام بينما تبقى بقية سلسلة الطاقة عرضة للتعطل.