جمعت الحكومة الأمريكية إيرادات قياسية في السنة المالية 2026، لكنها أنهت العام بعجز أكبر. دخل إلى الخزانة نحو 5.4 تريليون دولار، بينما خرج منها نحو 7.4 تريليون. ارتفعت الحصيلة 3%، لكن الإنفاق نما بنحو 6%، فاتسعت المسافة بين ما تجمعه واشنطن وما تدفعه.

بلغ العجز 1.99 تريليون دولار، بزيادة 217 مليارًا عن العام السابق، في أول سنة مالية كاملة من ولاية دونالد ترامب الثانية، التي انتهت في 30 سبتمبر. وهو أكبر عجز منذ 2021. لكن المشكلة التي تكشفها الأرقام تتجاوز حصيلة عام واحد: جزء متزايد من موارد الحكومة أصبح مطلوبًا لتمويل التزامات سابقة، قبل أن تتخذ قرارًا بمشروع أو برنامج جديد.

فاتورة الماضي تزاحم قرارات اليوم

تجاوز إجمالي الدين الأمريكي 40 تريليون دولار. وهذا رصيد متراكم عبر سنوات، يختلف عن العجز الذي يقيس الفجوة بين الإيرادات والإنفاق خلال سنة واحدة. استمرار الفجوة يعني اقتراضًا إضافيًا، فيما تستحق فوائد على الديون الموجودة أصلًا.

قدّر مكتب الميزانية في الكونغرس صافي مدفوعات الفوائد للسنة المالية 2026 بنحو 1.14 تريليون دولار، بزيادة تقارب 115 مليارًا عن العام السابق. وارتبطت الزيادة بتضخم حجم الدين وارتفاع الفوائد طويلة الأجل، رغم أن انخفاض المعدلات القصيرة خفف جزءًا من الضغط.

هذا الإنفاق لا يضيف خدمة عامة جديدة، لكنه التزام تجاه الدائنين. وكلما ارتفع، احتاجت الحكومة إلى إيرادات أكبر أو اقتراض إضافي أو تقليص مساحة متاحة لبنود أخرى. ومن ثم تصبح الديون القديمة قيدًا على الميزانيات الجديدة، حتى عندما تتحسن حصيلة الضرائب.

ولا تنتهي احتياجات التمويل عند سد عجز السنة. على الخزانة أيضًا إعادة تمويل سندات تستحق آجالها. لذلك لا ينتقل تغير أسعار الفائدة إلى كامل الدين في يوم واحد، بل يتسرب إلى الفاتورة مع الاقتراض الجديد وتجديد الديون المستحقة.

الرسوم الجمركية لا تضمن إيرادًا دائمًا

أضافت الرسوم الجمركية مفارقة أخرى. فقد أدت إعادة مبالغ إلى المستوردين، عقب حكم المحكمة العليا بإبطال جانب كبير من الرسوم، إلى تقليص صافي حصيلتها. بلغت المبالغ المعادة خلال السنة 145 مليار دولار، وانخفض صافي إيرادات الرسوم بنحو 22 مليارًا إلى قرابة 173 مليار دولار.

توضح هذه النتيجة الفرق بين الأموال التي تدخل الخزانة والأموال التي تستطيع الاحتفاظ بها. فحصيلة رسوم محل نزاع قضائي لا تمنح الميزانية يقينًا مماثلًا لإيرادات مستقرة، وردها لاحقًا يضع ضغطًا على التمويل حتى لو كانت قد دعمت الحسابات في أشهر سابقة.

ومع ذلك، لا تفسر الرسوم وحدها اتساع العجز. فالزيادة الإجمالية في الإنفاق تجاوزت نمو الإيرادات بأكثر من الضعف، بما يكشف أن سد الفجوة يحتاج إلى معالجة أوسع من التعويل على مصدر ضريبي واحد.

إنفاق يصعب وقفه بقرار سريع

تستمر برامج التقاعد والرعاية الصحية في استيعاب مبالغ أكبر مع زيادة المستفيدين وارتفاع تكلفة الخدمات. وفي التقديرات الأولية للسنة، ارتفع الإنفاق على الضمان الاجتماعي وبرنامجي ميديكير وميديكيد مجتمعين بنحو 217 مليار دولار.

هذه التزامات ترتبط بقواعد استحقاق وملايين المستفيدين. وتغيير مسارها يحتاج قرارات تشريعية وخيارات سياسية، بينما يمكن أن تستمر تكلفتها في الارتفاع خلال المفاوضات. لذلك لا يكفي خفض نفقات متفرقة لضمان تراجع الإجمالي إذا كانت البنود الأكبر تنمو بوتيرة أسرع.

وتضع هذه التركيبة إدارة ترامب والكونغرس أمام مفاضلة صعبة: زيادة الموارد، أو تغيير مسار الإنفاق، أو مواصلة الاقتراض بما يضيف فوائد مستقبلية. أما تحسن الإيرادات وحده، فقد أظهرت حصيلة 2026 حدوده.

الأثر يصل إلى سعر الاقتراض

عندما تحتاج الحكومة إلى تمويل أكبر، تصبح الشروط التي يقبل بها المستثمرون شراء سنداتها أكثر تأثيرًا في الميزانية. وإذا طلبوا عائدًا أعلى لتعويض المخاطر، ترتفع تكلفة الاقتراض، وقد تعود الزيادة إلى العجز في دورة جديدة.

ويمكن أن يمتد الضغط إلى الأسر والشركات عبر تكلفة التمويل، بما يضيق قدرة الأسر على شراء المساكن وقدرة الشركات على الاستثمار. لكن العجز وحده لا يحدد اتجاه الفائدة؛ فالتضخم والنمو والسياسة النقدية والطلب على السندات تؤثر أيضًا.

لذلك لا يكفي في السنة المقبلة مراقبة وصول الإيرادات إلى رقم قياسي جديد. الاختبار الأهم هو ما إذا كانت تنمو أسرع من الالتزامات، وما إذا كانت فاتورة الفوائد تستقر. دون ذلك، قد تجمع واشنطن أموالًا أكثر، وتجد نفسها مضطرة للاقتراض أكثر أيضًا.