قد تدفع أسرة تونسية أقل مقابل الدجاج أو الفاكهة هذا الأسبوع، ثم تجد أن فاتورة غذائها الشهرية ما زالت مرتفعة. فالتخفيض على صنف محدد يوفر مالا عند الشراء، لكن حجمه في ميزانية الأسرة يتوقف على ما تشتريه فعلا، وأين تتسوق، وكم يستمر العرض.
بدأت المساحات التجارية الكبرى في تونس، في 24 أكتوبر 2026، تطبيق تخفيضات على منتجات مختارة تشمل اللحوم البيضاء والأسماك المستزرعة وبعض الفواكه، ضمن تنسيق مع وزارة التجارة والمنتجين. وتوفر المبادرة متنفسا سريعا للمستهلك، في وقت تتجاوز فيه زيادة أسعار الطعام معدل التضخم العام.
الغذاء يضغط أكثر من المتوسط
بلغ التضخم العام 5.6% في سبتمبر 2026، بينما ارتفعت أسعار الغذاء والمشروبات 8.4% مقارنة بسبتمبر السابق. وعلى أساس شهري، زادت أسعار هذه المجموعة 2.1% عن أغسطس. لذلك تدخل التخفيضات سوقا ارتفعت فيها الكلفة خلال الشهر نفسه، فضلا عن الزيادة السنوية.
وتوضح الأصناف ما وراء المتوسط: زادت أسعار الدواجن 16.5%، والفواكه الطازجة 16.3%، ولحم الضأن 14.6%، واللحم البقري 13%، والخضراوات الطازجة 12.9%، والأسماك الطازجة 10.4% على أساس سنوي. وهي زيادات تمس مكونات متكررة في المشتريات، وإن اختلف وزن كل منها بين أسرة وأخرى.

المتوسط الوطني يجمع سلعا وخدمات كثيرة، أما الأسرة فتدفع ثمن سلتها الخاصة. وكلما استحوذ الطعام على جزء أكبر من إنفاقها، صار ارتفاعه أشد حضورا في ميزانيتها. وقد يؤدي خفض سعر صنف كثير الاستخدام إلى فرق ملموس لها، حتى إذا بقي أثره محدودا في مؤشر الأسعار العام.
أين يقع التوفير الفعلي؟
تستهدف المرحلة الأولى منتجات في المساحات التجارية الكبرى، وتتفاوت مدة التخفيض بحسب الصنف. فقد أُعلنت عروض اللحوم البيضاء لمدة أسبوع من انطلاق البرنامج، بينما تتركز عروض أخرى في يومي السبت والأحد. وأوضحت وزارة التجارة لاحقا أن البرنامج يستمر خلال نهايات الأسبوع إلى نهاية أكتوبر، مع العمل على توسيع المنتجات المشمولة.
ويعني ذلك أن الوصول إلى العرض جزء من قيمته. فالأسرة التي تشتري من منفذ مشارك خلال المدة المحددة تستفيد مباشرة، بينما يتوقف انتقال الأثر إلى بقية المتاجر على قرارات تسعيرها. كما أن إعلان التخفيض على فئة من المنتجات لا يجعل كل الأصناف أو العلامات أو منافذ البيع داخلة فيه.
وتقاس وفورات الأسرة بالفارق بين ما كانت ستدفعه وما دفعته مقابل الكمية نفسها والجودة نفسها. أما شراء كمية أكبر لمجرد وجود عرض، فيمكن أن يرفع المبلغ المدفوع في الزيارة، حتى مع انخفاض سعر الوحدة. لهذا يختلف نجاح التخفيض في جذب المتسوقين عن نجاحه في تقليل إنفاقهم الشهري.
من يمول السعر الأقل؟
جاءت المبادرة عبر تنسيق يجمع وزارة التجارة والمساحات التجارية والمنتجين والمزودين. وهذا يضع طريقة توزيع التخفيض على سلسلة البيع في قلب استمراره: فقد يساهم المنتج بسعر توريد أقل، أو يقبل الموزع هامشا أصغر، أو يتقاسم الطرفان الكلفة.
وتختلف قدرة كل طرف على ذلك بحسب كلفته وحجم مبيعاته. ففي العروض القصيرة، قد يعوض ارتفاع الكميات المباعة جزءا من انخفاض الربح على الوحدة. أما تثبيت السعر المنخفض فترة أطول، فيحتاج إلى ترتيبات تستطيع السلسلة تحملها دون تقليص الكميات المعروضة أو جودة المنتج.
لذلك يرتبط أثر المبادرة بتوافر السلعة بالسعر المعلن. العرض الذي يراه المستهلك على الرف ويستطيع شراءه يحقق التوفير؛ أما نسبة التخفيض وحدها فلا تكشف الكميات المتاحة ولا عدد الأسر المستفيدة. وتصبح استمرارية التزويد مهمة بقدر جاذبية السعر.
متى يتجاوز الأثر عطلة الأسبوع؟
تظهر بيانات سبتمبر تفاوتا كبيرا بين الغذاء ذي الأسعار الحرة، الذي ارتفع 9.4% سنويا، والغذاء ذي الأسعار المؤطرة، الذي زاد 0.2%. وتفسر هذه الفجوة أهمية الوصول إلى الأصناف التي تتحرك أسعارها بسرعة في السوق، مع الحفاظ على انتظام عرضها.
ويمكن للعروض أن تخفض السعر المدفوع على المنتجات المشمولة خلال فترة سريانها. أما ظهور أثر أوسع في التضخم، فيتوقف على وزن تلك المنتجات، ومدى انتشار الأسعار المخفضة، واستمرارها، وحركة أسعار بقية السلع. وإذا انتهى العرض وعاد السعر إلى مستواه السابق، ينتهي معه ذلك الجزء من التوفير.
وعلى مستوى الأسرة، تبقى القدرة الشرائية مرتبطة بما يغطيه الدخل من احتياجات، لا بنسبة التخفيض منفردة. قد يتيح شراء الطعام بكلفة أقل تخصيص مبلغ لفاتورة أخرى أو الاحتفاظ به حتى نهاية الشهر، لكن تكرار هذه الفائدة يحتاج إلى تكرار السعر الأقل أو تحسن الدخل.
في الأسابيع التالية، سيكون الاختبار في عدد السلع التي تنضم إلى البرنامج، وتوافرها، والأسعار بعد انتهاء العروض. فالفارق الذي تبحث عنه الأسر يبدأ عند صندوق الدفع، ويثبت حين يصبح شراء السلة المعتادة أقل كلفة على نحو متكرر.




